الأمن الاجتماعي: أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار محلياً وإقليمياً
ظل مفهوم الأمن الاجتماعي موضع اهتمام من قبل المفكرين وصانعي القرار، بصفته أحد أعمدة الاستقرارَين المجتمعي والدولي. ويُعرف الأمنُ الاجتماعيُّ بأنه مفهوم استراتيجي يهدف إلى حماية المجتمع وتماسكه، من خلال سياسات وآليات تضمن استمراريته واستقراره. وفي هذا السياق، وباعتبار أن الأمن الاجتماعي يشكل ركناً أساسياً من الأمن الإنساني، أكد كوفي عنان، الأمين العام السابع للأمم المتحدة: «أن الأمن الإنساني ليس مقصوراً على غياب الصراعات العنيفة، بل يتعلق كذلك بضمان حقوق الإنسان، مثل الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، وتحقيق الإمكانيات الفردية لضمان حياة كريمة تدعم الأمن الوطني». وتعكس هذه العبارة أهمية الأمن الاجتماعي أداةً محوريةً لبناء مجتمعات قادرة على مواجهة التحديات وتعزيز الصمود. وفي هذا المقال سيتم تسليط الضوء على الأبعاد الاستراتيجية للأمن الاجتماعي، ودوره في تعزيز صمود المجتمعات واستقرارها.ويتجاوز مفهوم الأمن الاجتماعي، من المنظور الاستراتيجي، التفسيرات الاقتصادية التقليدية، ليشمل سياسات وآليات تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية، وتوفير الإسكان، ودعم التماسك الاجتماعي بُغية بناء مجتمع قوي ومتماسك قادر على الصمود أمام التحديات المتغيرة، إذ يُعرف الصمود المجتمعي بقدرته على التكيف والتعافي في أوقات الأزمات. ولا يقتصر هذا المفهوم على التحمل السلبي للأزمات، بل يشمل الاستعداد المسبق لمواجهتها من خلال بناء أنظمة استجابة مرنة تعتمد على التعاون بين الأفراد والمؤسسات. وتشير الدراسات إلى أن المجتمعات التي تستثمر في بناء شبكات اجتماعية متماسكة تحقق معدلات تعافٍ أعلى، وتُظهر مرونة أكبر عند مواجهة الأزمات المفاجئة. وعلى سبيل المثال أظهرت دراسة بعنوان «بناء الصمود المجتمعي في سياق تغير المناخ: دور رأس المال الاجتماعي» (2021) أن رأس المال الاجتماعي يلعب دوراً حيوياً في تعزيز الصمود المجتمعي أمام التغيرات المناخية.وقد كشفت جائحة كوفيد-19 أهمية الصمود المجتمعي، إذ أبرزت دَور البنية التحتية الصحية والسياسات الاجتماعية في تمكين المجتمعات من التصدي للأزمات الطارئة. وفي هذا السياق عبَّرت دولة الإمارات عن التزامها الاستراتيجي بناء منظومة أمن اجتماعي شاملة ترتكز على الاستباقية والمرونة والشمولية. ولعل عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال الجائحة «لا تشلون هم»، تعكس رؤية قيادية تُطمئن المجتمع، وتضمن سلامته. وقد برزت دولة الإمارات بصفتها دولة رائدة عالمياً في استجابتها الفعَّالة للجائحة، ما يُظهر كفاءة سياساتها الاجتماعية، وقدرتها على التكيف مع التحديات. وبالمثل، واستناداً إلى مؤشر الاستجابة العالمية للجائحة، أظهرت دول مثل نيوزيلندا، وسنغافورة، والدنمارك، استجابات ناجحة عبر أنظمة أمن اجتماعي متكاملة عزّزت الثقة بين الحكومات والمجتمعات. وقد أكدت هذه التجارب ضرورة دمج السياسات الاجتماعية في استراتيجيات أمنية شاملة ضمن إطار الأدوات الوطنية (الدبلوماسية، والمعلوماتية، والعسكرية، والاقتصادية).وتوفّر الدول الخليجية نموذجاً لأنظمة الأمن الاجتماعي التي استفادت من الازدهار الاقتصادي والرؤية الاستراتيجية، إذ تعمل سلطنة عمان، مثلاً، على تعزيز التنوع الاقتصادي من خلال برامج مثل «تنفيذ»، الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتحسين أنظمة الضمان الاجتماعي. أمَّا في البحرين، فقد طوّرت الحكومة، بالتعاون مع صندوق أبوظبي للتنمية، مبادرات للإسكان الاجتماعي تعتمد على التكنولوجيا المستدامة لتحسين جودة حياة المواطنين. وفي قطر يجري التركيز على سياسات التعليم المتقدم، وبرامج الصحة الرقمية، كونها جزءاً من رؤية قطر الوطنية 2030. بينما أطلقت المملكة العربية السعودية مبادرات مثل «الإسكان التنموي» لتحسين جودة حياة الأسر المحدودة الدخل، وبرنامج «حساب المواطن» لدعم مواجهة تكاليف المعيشة.وفي المقابل تمثل دولة الإمارات نموذجاً متقدماً من خلال دمج الأمن الاجتماعي ضمن رؤية استراتيجية شاملة، تركّز على المرونة والابتكار والشمولية، ففي عام 2023 أطلقت دولة الإمارات نظام التأمين ضد التعطُّل عن العمل، الذي يوفر تعويضاً مالياً مؤقتاً للعاملين عند فقدان وظائفهم، ما يُسهم في تعزيز الإنتاجية الاقتصادية، وتقليل معدلات البطالة. وعلاوة على ذلك تقدم برامج مثل «ثقة» تغطية صحية شاملة للمواطنين، بينما يضمن التأمين الصحي الإلزامي خدمات صحية عادلة للمقيمين. أمَّا في مجال الإسكان، فيبرز «برنامج الشيخ زايد للإسكان» نموذجاً لدعم الاستقرار المجتمعي من خلال تمكين الأسر الوطنية من امتلاك منازل تلبي احتياجاتها. ويمكن القول إن العديد من الدول تفتقر إلى عنصر المرونة الذي يُعد من أبرز مميزات نظام الأمن الاجتماعي في دولة الإمارات، والذي يجعلها أكثر قدرةً على التكيف مع التحديات المتغيرة، والاستفادة من الفرص المستقبلية. ويشكل التعاون الإقليمي عنصراً محورياً في استراتيجية دولة الإمارات لتعزيز الأمن الاجتماعي، من خلال مبادرات إقليمية تهدف إلى معالجة القضايا المشتركة مثل الصحة، والتعليم، والإسكان، إذ تسهم الدولة في بناء شبكات أمان اجتماعي تتجاوز الحدود الوطنية. وعلى سبيل المثال أسهمت دولة الإمارات في مشروعات إقليمية عديدة مثل إنشاء مستشفيات ميدانية في اليمن وباكستان لدعم المجتمعات المحتاجة، وتطوير منصات تعليمية رقمية مثل «مدرسة» التي توفّر محتوى تعليمياً لأكثر من مليون طالب في العالم العربي. وتعزّز مثل هذه المشروعات التماسك الإقليمي، وتُظهر كيف يمكن للأمن الاجتماعي أن يصبح أداة دبلوماسية فعَّالة، وهذه الجهود لا تعزز صورة الإمارات دولةً قائدةً إقليميًّا فقط، بل تدعم كذلك «رؤية الإمارات 2071» التي تهدف إلى إيجاد مجتمعات مترابطة ومستدامة. ومن خلال التركيز على الأمن الاجتماعي أداةً للتعاون تضع دولة الإمارات الأُسس لتطوير شراكات طويلة الأمد تدعم الاستقرار الإقليمي، وتسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والابتكار التكنولوجي. ويعكس هذا النهج استراتيجية شاملة تتماشى مع إطار الأدوات الوطنية، ما يتيح دمج الدبلوماسية مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق بيئة مستقرة ومستدامة. وعلاوة على ذلك يُعد هذا التعاون فرصة لتعزيز الهوية الخليجية المشتركة، وبناء مستقبل يعتمد على تكامل الجهود والموارد لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمنطقة.وخلاصة القول: يمثل الأمن الاجتماعي الأساس في استقرار الدول وصمودها أمام التحديات المختلفة، وقد أظهرت دولة الإمارات كيف يمكن تحويل الأمن الاجتماعي من مجرد آلية للحماية إلى أداة استراتيجية لتعزيز الاستدامة والتنمية الإقليمية. ومع مواجهة العالم تطورات متسارعة وأزمات متجددة، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لدولة الإمارات ودول الخليج تعزيز الأمن الاجتماعي بما يتناسب مع التحولات العالمية، ويحافظ على ازدهار المجتمعات واستقرارها؟
*موجِّه باحث في كلية الدفاع الوطني.
Source: مركز الاتحاد للأخبار