تكية “خاصكي سلطان”.. ملاذ الفقراء بالقدس منذ 473 عاما
على بُعد عشرات الأمتار من المسجد الأقصى، وبالقرب من باب الناظر، تقع تكية خاصكي سلطان، والتي اشتهر عنها أنها لا تدع فقيرا دون طعام في القدس منذ العهد العثماني وخاصة خلال أيام شهر رمضان المبارك.
وتقع التكية في مبنى أثري مملوكي، وتعمل على مدار أيام السنة، إلا أنها تشهد زخما خاصا في شهر رمضان، إذ يتضاعف عدد مرتاديها.
وأطلق على “التكية” هذا الاسم نسبة لزوجة السلطان سليمان القانوني التي زارت مدينة القدس عام 1552 للميلاد، وأمرت بإنشاء مجمع خيري كبير حينما رأت الأعداد الهائلة من الزوار والمصلين للمسجد الأقصى المبارك.
وتعني “خاصكي سلطان” محبوبة السلطان، وهو لقب أطلق على رسلانة زوجة سليمان القانوني وهي روسية الأصل.
473 عاما من العمل
وقال المشرف الإداري على التكية بدائرة الأوقاف الإسلامية في القدس بسام أبو لبدة: “السلطان سليمان القانوني هو من بنى أيضا سور القدس، ولا ننسى أن للدولة العثمانية التركية تاريخا عريقا في فلسطين وفي القدس”.
وأضاف: “يتم تقديم الوجبات خلال شهر رمضان وعلى مدار العام يوميا للعائلات المحتاجة بالقدس، مع العلم بأن وضع القدس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي سيئ جدا بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على أهلنا في قطاع غزة”.
وذكر أبو لبدة أنه “رغم الحصار والحواجز والتشديد الإسرائيلي فإننا صامدون في المدينة المقدسة”.
وكانت الدولة العثمانية أقامت عددا من التكايا التي تقدم الطعام للفقراء في العديد من المدن المهمة في فلسطين.
ووصف المؤرخ عارف العارف في كتابه “المفصّل في تاريخ القدس”، تكية خاصكي سلطان، بأنها “من خيرة الأماكن الخيرية التي أنشأها العثمانيون بالقدس، إذ منذ تأسيسها إلى الآن، يُقدم المشرفون عليها الغذاء لعدد كبير من الفقراء مجانا، وكل يوم”.
وأضاف أبو لبدة أن نفقات التكية كانت تُدفع من ريع الأملاك التي أوقفتها خاصكي سلطان لصالح التكية.
ورغم مرور 473 عاما على إنشائها، فإن تكية خاصكي سلطان، لم تتوقف عن تقديم الطعام الساخن للفقراء.
وجبات يومية
ومنذ عقود، تشرف على التكية دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية.
وقال أبو لبدة: “نقدم الطعام يوميا خلال العام إلى حوالي 50-70 عائلة فقيرة في البلدة القديمة والقدس، وفي رمضان نزيد الكمية أضعافا”.
وزاد: “في الفترة الصباحية نعد الوجبات للعائلات، وفي فترة الظهر لرواد الأقصى، وفي الفترة المسائية لموظفي المسجد الأقصى من الأئمة والحراس وجميع الدوائر الموجودة فيه”.
ويصل الفقراء والمحتاجون إلى التكية ومعهم أطباق وأوان لأخذ الوجبات فيها، ويتم توزيع الوجبات في شهر رمضان وغيره خلال السنة في فترة الظهيرة.
وتقدر أعداد الفلسطينيين في شرقي القدس بنحو 390 ألفا، لكن نسبة كبيرة جدا منهم تصل إلى أكثر من 80% يعيشون تحت خط الفقر.
جزء من الرباط
ويلجأ الفقراء إلى المؤسسات الاجتماعية للحصول على المساعدة التي تمكّنهم من الصمود بالمدينة.
وقال أبو لبدة: “العائلات الفقيرة في القدس لها كرامة وعزة، ونحن هنا نحافظ عليها ونساعدها في جزء من حياتها، وهو جزء من الرباط في مدينة القدس”.
وأضاف: “لا نسأل من هو المواطن الذي يدخل التكية، سواء كان فقيرا أم غنيا، فبركة الطعام هي توزيعه، في بعض الأوقات يصل إلى التكية أشخاص غير مسلمين، ولا نرفض أحدا، ونقدم الطعام للجميع”.
ويشير إلى أنه “في شهر رمضان يزداد المصلون في المسجد الأقصى فنضاعف الكميات ضعفين أو 3 لتوزيعها على الجميع، ولا نغير نوعية الطعام، فنستمر بتقديم اللحوم والدجاج والأرز في وجبات جاهزة لكل من يأتي إلى التكية”.
Source: Apps Support
“سلام رمضان”.. مبادرة في سريلانكا للتعريف بالمسلمين من خلال الطعام
كولومبو- يحرص تشاثورا غانيجودا الذي ينتمي إلى خلفية بوذية، وزوجته وطفلهما على استكشاف أطعمة جديدة، وهو فضول يشترك فيه العديد من السريلانكيين، وعندما صادفوا إعلانا عن فعالية ثقافية تُقدَّم فيها تشكيلة من الأطعمة التي يُحضّرها المسلمون حصريا في كولومبو قرروا حضورها.
تعد فعالية “سلام رمضان” التي حضرتها عائلة غانيجودا، المرة الأولى التي تشهد فيها سريلانكا حدثا يُسلّط الضوء على فنون ومأكولات وثقافة الإسلام والمسلمين في البلاد.
وكما فعلت عائلة غانيجودا، حضر العديد من السريلانكيين من مختلف الخلفيات الدينية الفعالية لاكتشاف تاريخ المسلمين السريلانكيين ودينهم وثقافتهم ومأكولاتهم، وحضرت معهم الجزيرة نت أيضا للتعرّف أكثر على الحدث.
تتمتع سريلانكا بموقع إستراتيجي في المحيط الهندي، ويقطنها مسلمون يشكلون حوالي 10% من إجمالي السكان، أي نحو 2.2 مليون نسمة من أصل 22 مليونا، وينقسم المسلمون إلى 4 مجموعات عرقية، أكثرهم المور الذين يشكّلون نحو 90%، يليهم الملايو، والميمون، والبهرة الداوودية.
رؤية حكومية
ووفقا لرئيس فريق تنظيم فعالية “سلام رمضان” رزان نظير، ونائبه أمان أشرف، فإن هذا الحدث يتماشى مع رؤية رئيس سريلانكا أنورا كومارا ديساناياكي، لتعزيز التعايش من خلال الاحتفاء بالتنوع الثقافي.
وأوضحا للجزيرة نت، أن الرئيس أعرب لوالي المحافظة الغربية حنيف يوسف، عن أهمية تنظيم فعالية تُبرز التنوع الثقافي للمسلمين، وأكد نظير على أهمية هذه المبادرة والدعم الكبير الذي حظيت به من غير المسلمين.
وفي حديثه للجزيرة نت، صرّح نظير أن “رئيس سريلانكا أراد إقامة هذا الحدث لتعزيز التآخي بين جميع الطوائف، حيث يُقيم البوذيون والمسيحيون مثل هذه الفعاليات خلال عيد فيساك وعيد الميلاد، لكننا لم يكن لدينا حدث مماثل، لذلك، وفي غضون أسابيع قليلة، قمنا بتنظيمه، وشهدنا حضورا كبيرا من غير المسلمين الذين أتوا لاستكشافه”.
من جانبه، أكّد أشرف على الجهد الجماعي للجماعات العرقية المسلمة الأربع في سريلانكا لإنجاح الفعالية، وأشار إلى أن هذه المجموعات كانت تُقيم في السابق احتفالات ثقافية منفصلة، لكن هذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها بحدث مشترك، مما يعكس وحدة المجتمع الإسلامي.
مساهمة المسلمين
لطالما جذبت سريلانكا التجار العرب في عصور قبل الإسلام وبعد ظهورها، فقد كان العرب ينجذبون إلى شواطئها بفضل ثراء الجزيرة بالتوابل والأحجار الكريمة.
ومع استقرار التجار العرب وزواجهم من نساء محليات، نشأ مجتمع مسلم متميز، يُعرف عرقيا باسم “المور”، ومع مرور الوقت، ازدادت هذه الفئة الإسلامية تنوعا بفضل هجرة الملايو من الأرخبيل الإندونيسي، بالإضافة إلى الميمون والبهرة الداوودية من الهند قبل التقسيم.
وقد لعبت هذه المجموعات المتنوعة دورا مهمًا في تشكيل الثقافة السريلانكية، حيث ساهمت في تطوير المطبخ المحلي، والملابس، والمفردات. ووفقا لآصف حسين، رئيس قسم التوعية في مركز الدراسات الإسلامية في كولومبو، فقد تركت المجتمعات المسلمة بصمة دائمة في الثقافة السريلانكية.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح حسين أن بعض الأطعمة السريلانكية الشهيرة، مثل الدودهول والأتشارو، تعود أصولها إلى الأرخبيل الإندونيسي، كما أشار إلى أن الاسم الرسمي السابق لسريلانكا “سيلون”، مشتق من كلمة سيلان العربية.
وخلال فعالية “سلام رمضان” قام متطوعو المركز بتوزيع ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة السنهالية، مما يساعد في تعزيز التفاهم الثقافي والديني بين المسلمين والأغلبية الناطقة بالسنهالية.
وكان ركن الخط العربي أحد أبرز المعالم في الفعالية، حيث أُتيحت الفرصة للزوار لكتابة أسمائهم بأسلوب فني مميز، وللكثير من السريلانكيين غير المسلمين، وكانت هذه تجربة جديدة وجذابة، أسهمت في تعزيز تقديرهم للثقافة الإسلامية.
وإلى جانب الجوانب الثقافية، أسهم المجتمع المسلم في سريلانكا بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، وهو ما استعرضه “مجلس تقييم الحلال” في الفعالية.
وفي هذا السياق، صرّح أسامة زيد، رئيس قسم العلامة التجارية وتطوير الأعمال في مجلس تقييم الحلال، للجزيرة نت، بأن “المنتجات الحاصلة على شهادة الحلال من صادرات سريلانكا قد حققت إيرادات بلغت 1.7 مليار دولار أميركي في العام الماضي، وهو رقم يشهد زيادة مطردة في السنوات الأخيرة”.
الطعام يوحد الناس
أثناء تجربة عائلته للأطعمة الإسلامية المتنوعة، أعرب غانيجودا عن إعجابه بالصيام، معتبرا إياه عادة مفيدة للصحة، وأكد في حديثه للجزيرة نت، أن الطعام قادر على جمع الناس معا، “فالغذاء هو حاجة الناس الأساسية، وعندما تُنظم فعاليات تتمحور حول الطعام، ويلتقي الناس من مختلف الأعراق والأديان، يتعزّز التفاهم والانسجام والتآلف بينهم”.
لم يقتصر الحضور في الفعالية على السريلانكيين فحسب، بل شارك به أيضا العديد من السياح والأجانب العاملين في البلاد، ومن بين المشاركين، حضرت نور أزيدة عمر، وهي ماليزية تعمل في المجال الدبلوماسي، حيث انضمت إلى الفعالية مع زوجها وأطفالها لاكتشاف ثقافة المسلمين في سريلانكا.
وأوضحت أزيدة للجزيرة نت أنها وجدت الفعالية فريدة من نوعها، مشيرة إلى أنها “كانت فرصة رائعة لتبادل الثقافات والتعرف على تقاليد المسلمين في سريلانكا، ليس فقط بالنسبة للسريلانكيين، ولكن أيضًا للأجانب”.
Source: Apps Support