“Cybersecurity Insights – Protecting Our Digital Future”

رجال حول محمود عباس

يوم أدار حنظلة ظهره لماجد فرج

على جدار في أحد أزقة مخيم الدهيشة جنوب غربي بيت لحم، يدير حنظلة ظهره للعالم، متوسطًا عددًا من عبارات الغرافيتي الثائرة، أشهرها مقولة غسّان كنفاني: “لا تمت قبل أن تكون ندًّا”.

اعتاد الرجل الستيني الذي اختار لنفسه مصيرًا مخالفًا لنصيحة كنفاني، أن يمرَّ من أمام حنظلة هذا مرّة كل أسبوع وهو يدير له ظهره.

ولربّما في واحدة من زيارات المخيم، نظر الرجل الذي صار رئيسًا لجهاز المخابرات الفلسطينية وأحد أقوى المرشّحين لخلافة رئيس السلطة الفلسطينية، إلى جدار المخيم هذا، وأطال النظر، حتى رأى شخصيّة أخرى له كانت ثائرة، تعود إلى أيّام الصبا والشباب، وراح يتذكّر…

من المهد إلى السجن

كانت ليلةً باردةً أخرى في مخيم الدهيشة، يتكوَّر فيها علي فرج على نفسه؛ ذاك الرجل البسيط المهجر من قرية رأس “أبوعمار” غرب القدس، محاولًا تدفئة داره، التي لا تكاد تصمد أمام غزارة أمطار الشتاء ورياحه العاتية. بعد حينٍ، نوديَ عليٌّ لتبلغه قابلة المخيم بأن زوجته وضعت طفلهما الثاني: ماجد.

كان ذلك في الليلة الأخيرة من فبراير/شباط عام 1963، ولم تعلم القابلة ولا عليّ ولا زوجته أن الوليد الجديد لن يرث من البيت البسيط حال أبيه ولا همومه، ولكن سيشغله تحريك الخيوط التي تغيِّر مصائر البشر وتحدد مآلات مشاريعَ تتصارع وغاياتٍ تُرتَجى.

وما إن بلغ الرابعة من عمره، حتى احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967. في هذا العام، أطلق ماجد عينيه من كُوَّةٍ في جدار البيت؛ فرأى لأول مرة الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح ينتشرون في مخيمه وهم ينادون: “ممنوع التجول حتى إشعار آخر”.

مرّت السنون، وكان فرج في مستهل فتوته الحرجة شأنها شأن أي فتوة تشب عن الطوق في مكان معقد كالمخيم، يلحظُ كيف تخشوشن يداه؛ إذ أصبح عاملًا في الصدف ثم البناء ثم النجارة، وذلك ليساعد أباه في إعالة الأسرة الكبيرة والأم المريضة، حتى إذا ما بلغ الثالثة عشرة من عمره، وجد نفسه واقفًا في صف الفاقدين، يتلقى العزاء في والدته التي أذاب مرض عضال جسدها. دخل الفقد مبكرًا بيت عائلة فرج، ليسلب من ستة أبناء صغار الاجتماع حول دفء الأم التي وصفها ببلاغةٍ المثل الشعبي الدارج في فلسطين “الأم بتلِم”.

في تلك الفتوة وجد ماجد نفسه يعيش الاندفاع نحو الحياة بمزيج من الغضب والقهر من حياة محكومة بالحرمان، ومن الحلم بإمكانية الانفكاك عن بؤس حياة المخيم، لذا شكّلت له نواة العمل الثوري في المخيم حضنًا دافئًا يعوض غياب الأم وضيق الحال، ويمنحه فضاء يستوعب سخطه وغضبه، وروابط يستطيع من خلالها تحقيق ولادة أخرى لذاته سوى الفتى الفقير اليتيم المطحون في العمل وأعباء إعانة أسرته.

هكذا التحق ماجد فرج وهو لا يزال طالبًا في الثانوية العامة، بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كانت بالتزامن مع انضمامه قد فقدت بالاغتيال عددًا من أبرز قادتها ومنظريها كغسان كنفاني ووديع حداد. وعلى إثر هذا النشاط، سيقتحم جنود الاحتلال البيتَ الذي راقبهم ماجد من كوَّتِه يومًا وينتزعونه من دفء فراشه إلى برد السجن.

الرحيل إلى “أمّ الجماهير”

في صفٍّ طويل من المعتقلين من مختلف أنحاء الضفة الغربية، يقف ماجد مقيد اليدين، ذاهلًا وهو يتلقى اللكمات والضربات من جنديٍّ مفتول العضلات، يلقي كل ما تعلمه من سبابٍ وشتائم بالعربية في وجه ماجد ورفاقه. وخلال عامٍ ونصف، هي المدة التي قضاها فرج في السجن، سيرى الجندي نفسه مرات غير معدودة، وسيسمع صراخه في وجهه ووجوه المعتقلين الآخرين: “أنت حشرة”، قالبًا الراء غينًا لثقلٍ أعجمي في لسانه لا يخطئه سمع الفلسطينيين.

كانت تلك التجربة الأولى لفرج التي يلتقي فيها الجنود الإسرائيليين بشكل مباشر، وستتبعها فيما بعد تجارب كثيرة، غير أن النَّسَق فيها سيكون مختلفًا.

في السجن أنهى ماجد الثانوية العامة، وعاد إلى مخيم الدهيشة ليتخذ قرارًا بتغيير انتمائه السياسي والالتحاق بصفوف حركة فتح. ومع عام 1982، أخذ فرج موقعه ضمن مؤسسي الذراع الطلابي لفتح في المدارس والجامعات، المعروف باسم “الشبيبة”، ثمّ تخرج في جامعة القدس المفتوحة حاملًا شهادة البكالوريوس في الإدارة.

خلال نشاطه في الشبيبة سيلتقي “أمل فرج” التي ستصبح زوجته عام 1985، وترافقه في انتقالاته بعد ذلك بين المشاريع السياسية ومواقع النفوذ والسلطة.

سيعود ماجد خلال عقد الثمانينيات إلى السجن أكثر من خمسة عشر مرة متفرقة، ليبلغ مجموع ما قضاه في السجون الإسرائيلية ست سنوات، ينضم فيها إليه بين حين وآخر واحد أو أكثر من أشقائه، وهو أمر مألوف بالنسبة لكثير من العائلات الفلسطينية.

مع حلول عام 1993 ودخول السلطة الفلسطينية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، ابتدأ مشوار فرج الأطول والأبرز بالانضمام إلى جهاز الأمن الوقائي، وهو ما عنى أنّ ابن مخيم الدهيشة لن يعود إلى السجن الإسرائيلي مرة أخرى.

“المهاجم التائب” بين يدي الأجهزة الأمنية

لإدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني، تعليق لافت يصلح لفهم شخصية فرج، كان قد علّق به على خطاب ياسر عرفات عقب توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1993، الذي شمّ منه “رائحة انتفاع” بحسب تعبيره، إذ صُوِّر الفلسطينيون أمام العالم أبعد ما يكونون عن ضحايا للصهيونية، وأُظهروا بوصفهم “مهاجمين تائبين”.

هكذا بدا فرج، مهاجمًا تائبًا يحمل مرآة محدَّبةً يرى نفسه والعالم من خلالها، ويحسم بناء عليها مساره في ظل مشروع حاول عرابوه أن يقنعوا الفلسطينيين بأنه ستصبح لهم دولة لها صلاحيات فعلية على أرض الواقع، وأنها “ستديم الكفاح ولكن على أرضية سياسية ملائمة بذهنية مختلفة”، كما وصفها أحمد قريع في كتاباته عن كواليس مفاوضات أوسلو.

مع مرور الزمن سيظل فرج يختار هذه المرآة التي تزداد تحدبًا، ففيما يبدو أن سنة الإنسان وهو ينتقل بين المشاريع المتعارضة، أن يرسل بعضًا مما نشأ عليه إلى قمقمٍ بعيدة ليتمكن من إحراز المغانم دون أن يقض مضجعه تأنيبٌ من مبادئِ ذاتٍ كان عليها يومًا.

استقبل ماجد فرج عقد الثلاثينيات من عمره بالالتحاق بجهاز الأمن الوقائي في مدينة بيت لحم، حاصلًا على ترقيات عدّة خلال وقت زمني قصير، إلى أن تولى عام 2000 قيادة الجهاز في محافظة الخليل، التي تعتبر أكبر محافظات الضفة الغربية وأكثرها تعقيدًا من نواحٍ سياسية واجتماعية، إضافة إلى ثقلها الاقتصادي الكبير، وسيكون لهذه الخبرة لاحقًا أثرٌ في تشكل آليات بسط السلطة لديه في التعامل مع سكّان الضفة الغربية.

لقد قامت عقيدة الأمن الوقائي أسوة ببقية الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة منذ تأسيسها على أن النضال الفلسطيني ضد الاحتلال ليس ردًّا طبيعيًّا في وجه القهر الاستعماري المتغلغل في أدق تفاصيل الحياة الفلسطينية، بل هو تمرّد على هدف “الدولة” المرتجى؛ ولذا لاحقت كل أفعال المقاومة السلمية قبل المسلحة، بما يتناغم مع مزاج المجتمع الدولي وإسرائيل من خلفه.

وفي عام 2002، ستقفز في وجه فرج ذكريات شخصيته الثائرة القادمة من زمن بعيد من المخيم الأحمر (أحد مسميات مخيم الدهيشة نسبة للجبهة الشعبية) حين يصله وهو في مقر جهاز الأمن الوقائي في الخليل خبر استشهاد والده بعشر رصاصات إسرائيلية اخترقت جسده وهو ذاهب يلتمس بعض الحليب والخبز أثناء حظر التجوال الذي فُرِضَ على المخيم خلال عملية “السور الواقي”.

لكن ماجد فرج يُرسل ذكرياته إلى القمقم ويواصل عمله في المؤسسة الأمنية في ركض محموم خلف وعد الدولة. وفي العام ذاته، ستقفز الذكريات ذاتها مرةً أخرى أمام ناظر فرج، وهو يرى كيف أفضت عقيدة التنسيق الأمني للأجهزة الأمنية التي هو جزء منها، إلى اعتقال أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية التي كانت أول حاضنة وطنية له، لكن مجددًا: يرسل فرج هذه الشخصية إلى قمقم، ليستعد بحلول العام التالي لتولي منصبه الجديد مستشارًا لوزير الداخلية حكم بلعاوي، في حكومة اعترض عليها مقاتلو كتائب شهداء الأقصى؛ الجناح العسكري لحركة فتح، حيث كتبوا على الجدران في الضفة الغربية “لا لكرزاي فلسطين”، مشبّهين محمود عباس الذي كان حينها رئيسًا للوزراء، برئيس أفغانستان الذي جاء على ظهر دبّابة أميركية.

أعضاء من حركة فتح الفلسطينية يشتركون في مسيرة بخان يونس تدعو إلى استمرار الانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي (رويترز)

تزامنًا مع كل التعقيدات التي شهدتها الحالة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة إبان الانتفاضة الثانية، عمل فرج على تطوير وتوسيع دائرة علاقاته برجال الأمن في أمريكا وإسرائيل، لتكون سبيله لمزيد من النفوذ في مرحلة ما بعد عرفات التي كانت تلوح في الأفق بعدما قام الأخير على نحوٍ سريٍّ بتمويل كتائب شهداء الأقصى، التي ضمَّت خلال الانتفاضة عددًا كبيرًا من أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهو ما شكّل أرقًا لقيادة السلطة في مرحلة ما بعد عرفات.

لذا بدا من الضرورة بمكان البدء في إعادة تشكيل أفراد هذه الأجهزة تحت مسمى “الإصلاح الأمني”، ومحاربة فصائل المقاومة في الضفة، فكان على رأس هذه المهمة ماجد فرج، أحد اللاعبين الأساسيين في صناعة العقيدة الأمنية الجديدة، وذلك على ضوء ما امتلكه من علاقات على المستوى الأمني مع الإسرائيليين والأمريكان، وتحديدًا مع الجنرال كيث دايتون المنسق الأمني الأميركي لإسرائيل والسلطة الفلسطينية.

كانت إحدى الأدوات المرجوة لتحالف فرج مع عباس الذي صار رئيسًا للسلطة الفلسطينية بعد مقتل عرفات، هي المجلس التشريعي، فترشح فرج للانتخابات عام 2006، لكن المفاجأة كانت بفوز قائمة حركة حماس فوزًا كاسحًا في الانتخابات؛ مما دفع محمود عباس إلى تعيين ماجد فرج رئيسًا لجهاز الاستخبارات العسكرية، ليواصل من موقعه متابعة تنفيذ الخطة الأمنية الأميركية التي كانت ترتكز بشكل أكثر تكثيفًا على إعادة التشكيل السياسي للأجهزة الأمنية بما يقيد حماس وذراعها العسكري، وتحجيم نفوذ المسلحين التابعين لفتح خصوصًا في مدينتي نابلس وجنين.

ملك المخابرات العامة

عام 2009، كان فرج على موعد مع تولي المنصب الذي سيعمق نفوذه أكثر على حساب بقية منافسيه السياسيين، حين أصدر عباس قرارًا بتعيينه رئيسًا لجهاز المخابرات الفلسطينية، وهو أقدم جهاز أمني فلسطيني من حيث التأسيس، إذ تعود نواته إلى ستينيات القرن الماضي، وكان الجهاز الأمني في حركة فتح ينقسم إلى الأمن الموحد والأمن المركزي، اللذين قرّر ياسر عرفات دمجهما عقب أوسلو ليكوِّنا جهاز المخابرات العامة.

حمل فرج خبرته وشيئًا من درس “المهاجم التائب”، وأخذ عبر مناصبه المختلفة التي استقرّت عند قيادة جهاز المخابرات، ينقلهما عقيدة أمنية عبر برامج أمريكية بموافقة إسرائيلية. وقد شكلت فترة ما بعد 2009 حقبة ذهبية لتعاون فرج ودايتون في بناء “رجل الأمن الجديد”، الذي تمت برمجته على أن مهمته هي المحافظة على النظام وإنفاذ سيادة القانون وعدم مواجهة “إسرائيل” ومحاربة من يحارب “إسرائيل” ومصادرة كل سلاح خارج سلاح الأجهزة الأمنية، وهو ما عنى في نهاية المطاف إصابة البنى الاجتماعية والاقتصادية لسكّان الضفة بالشلل.

هكذا ترك الناس دون أدوات تمكّنهم من تنظيم أنفسهم لمواجهة شبح المستوطنات الذي يحوم حولهم، وذلك بعد أن أنشأ ماجد فرج ومن معه “دولة بوليسية في الضفة الغربية”، بحسب تعبير “أوراق فلسطين – Palestine Papers”، وقد برز اسم الرجل لأول مرة متهمًا بالضلوع في عمليات تعذيب لفلسطينيين، حسب ما ذكرته المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، إذ كان مسؤولًا عن الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز التعسفي والتعذيب المنهجي.

ولربّما، كانت حادثة التعذيب الأبرز بعد أن اتخذ محمود عباس قرارًا بإجراء الانتخابات العامة عام 2021، إذ سلَّ فرج سيفه في وجه المعارضين، فيما بدا واضحًا أنه قرارٌ بكبت أي تشكل واعٍ لمعارضة جادة في الضفة الغربية لاستفراد فتح بالحكم. فحين تقدم المعارض الفلسطيني الأبرز نزار بنات لترشيح نفسه للمجلس التشريعي، أقدمت عناصر من قوات الأمن الوقائي وجهاز المخابرات العام في 24 يونيو/حزيران على اقتحام المنزل الذي يوجد فيه وضربه بالهراوات بشكل مبرح؛ مما أدى إلى موته. ثم أتبعت الأجهزة الأمنية اغتياله بممارسات قمعية عنيفة ضد الفلسطينيين الذين نزلوا إلى الشوارع مطالبين بتحقيق العدالة لبنات ومحاسبة قتلته.

هكذا، راكم ماجد فرج خلال العقد الماضي، رصيدًا سيجعل اسمه يتصدر المشهد الأمني مقابل أفول أسماء كبرى، مثل جبريل الرجوب الذي وُلِّيَ شؤون الشباب والرياضة، وأحاله عباس لاحقًا إلى التقاعد مانحًا إياه رتبة فريق. وفي موازاة ذلك، عمل عباس على تقريب فرج منه، عندما أبقاه في منصبه رئيسًا لجهاز المخابرات رغم انتهاء ولايته منذ عام 2013، إلى أن أصدر مرسومًا رئاسيًّا مطلع عام 2023 يمنح ماجد فرج درجة وزير، ويبقيه في رئاسة المخابرات دون سقف زمني لنهاية ترؤّسه للجهاز.

وبينما عنى هذا كلّه مزيدًا من السلطة والنفوذ لماجد فرج، عنى كذلك درجة متقدمة في السباق المحموم نحو خلافة محمود عباس.

العودة إلى الجامعة على كبر

اندلعت “هبة القدس” عام 2015، بعد أن فجرها الطالبان في جامعة القدس ضياء التلاحمة ومهند الحلبي، وقد صاحبها دورٌ طليعيّ لطلبة الجامعات، محاولين إيجاد رافعة للفعل النضالي بعدما بدا أن الضفّة لن تشهد مقاومة بعد الانتفاضة الثانية.

شعر فرج باهتزاز في صورة جهازه الأمني، فعمد إلى شن حملة لملاحقة الفاعلين من طلبة الجامعات، بمن فيهم أولئك الذين يقومون بأعمال خدماتية لا تحمل أي طابع سياسي، سواء بتهديدهم وتهديد أهاليهم بالاعتقال أو باستدعائهم إلى المقرات الأمنية أو بمطاردتهم واعتقالهم أو بتحويل تقارير عنهم إلى مخابرات الاحتلال، وهو ما يطلق عليه الفلسطينيون “سياسة الباب الدوار”.

في مطلع عام 2016 نشرت هآرتس الإسرائيلية مقالًا يتفاخر فيه فرج بقدرة جهازه على إحباط أعمال المقاومة في الضفة الغربية، وأنه تمكن من منع حدوث مئتي هجوم ضد إسرائيل في الضفة، وهو تصريح أتى بعد حوالي ثلاثة أشهر من اندلاع “هبة القدس”.

لم يُنْسِ شيب الشعر فرج عهده حين كان مؤسسًا وقائدًا “للشبيبة”، وهي خبرة في مجتمع الجامعات وظّفها في ملاحقة الأذرع الطلابية، وضخ الميزانيات والامتيازات لكوادر محسوبة على حركته داخل الجامعات، ستشكل خزانًا بشريًّا ومعلوماتيًّا لجهاز المخابرات في تتبع أدق التفاصيل داخل الجامعات ودفن أي فعل سياسي ومقاوم في مهده.

المُنقذ من “التهميش”

في الحقبة نفسها، أدّى فرج أدوارًا هامةً على مستوى السياسة الخارجية الفلسطينية، حيث كان على رأس البعثة الفلسطينية الأولى التي زارت الولايات المتحدة الأمريكية عقب تولي دونالد ترامب الرئاسة، في وقتٍ كانت فيه السلطة الفلسطينية تخشى من احتمالات التهميش من قبل إدارة ترامب.

وقد أوردت صحيفة تايمز أوف إسرائيل مطلع فبراير/شباط 2017، أن محمود عباس حاول بطرق مختلفة التواصل مع إدارة ترامب طلبًا للقاء الأخير، دون تلقي أيِّ رد. وفي هذا المأزق مع الإدارة الأمريكية، كان فرج المُنْقِذَ، حيث توجه رفقة وفد فلسطيني إلى واشنطن وعقد اجتماعات عدة مع عدد من المسؤولين الأمنيين الأمريكيين الرفيعي المستوى.

عقب هذه الزيارة بفترة قصيرة، صرّح ترامب خلال زيارة عباس له في البيت الأبيض قائلًا: “أُشيد أيضًا باستمرار التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية مع إسرائيل. إنهم يتعاونون بشكل لا يُصدق. حضرت اجتماعات، وفي هذه الاجتماعات شعرت بالفعل بالانبهار والدهشة من مدى جودة تعاونهم. إنهم يعملون معًا بشكل رائع”.

ومن المعروف أن فرج هو المسؤول المباشر عن كافة عمليات التنسيق الأمني مع الشاباك والسي آي أيه (CIA)، علاوةً على أجهزة المخابرات العربية والأوروبية. من ذلك مثلًا، لقاء ماجد فرج بالجنرال الأمريكي مايكل فينزل في قمة العقبة، التي عقدت في النصف الأول من عام 2023، وقد طرح الحليف الأمريكي على فرج خطةَ تدريب لرجال أمن فلسطينيين يختصون بالقتال ضد مجموعات المقاومة في شمال الضفة الغربية.

لماذا لم يأت “اليوم التالي”؟!

وعلى الرغم من أن السيطرة على حماس وشلِّ جناحها العسكري في الضفة، كانا من مشاريع فرج الأمنية الأساسية التي تعاون فيها مع دايتون، فإن اسمه كان حاضرًا بقوة في حوارات المصالحة التي دارت بين السلطة وحماس. ففي أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017، رافق فرج رئيس الوزراء آنذاك رامي الحمدلله في أول اجتماع لحكومة الحمدلله في قلب غزة، وهو اجتماع جاء في إطار مساعٍ مشتركة بين فتح وحماس لمحاولة رأب الصدع الفلسطيني والتقدم في إنجاز المصالحة.

وفي نهاية العام نفسه، ستلتقط وسائل الإعلام صورة لماجد فرج مع يحيى السنوار، لتشكل مفارقة عجيبة لمآل رجلين قادمين من المخيمات، لكن لكل منهما مرآته الخاصة التي يرى ويخاطب بها نفسه والعالم.

منذ ذلك الوقت، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال كان قطاع غزة بالنسبة لفرج معضلة أمنية بذل في سبيل حلها وضمها إلى مشروعه، كافة السبل.

تقول حركة حماس إن ماجد فرج حاول أن يشي بالحركة لدى النظام المصري بأن الحركة ضالعة في التوترات التي اندلعت في تلك الفترة في سيناء، في محاولة لتعميق الهوة بين حماس ومصر. إضافة إلى اتهامه إياها بتدبير محاولة اغتيال له وللحمدلله، وقد نفت حماس ذلك وقالت إن المحاولة كانت بتدبير من ضباط مخابرات مقربين من فرج في رام الله.

ورغم إرهاصات تزعزع الوضع الأمني في الضفة الغربية، فإن هذا لم يشتت بصر فرج عن غزة، الجيب الساحلي الذي كانت قوته المسلحة تتنامى مع مرور الوقت.

لذا، وقبل عدة أشهر، أعلنت حركة حماس في خضم معركة “طوفان الأقصى”، أنه قد ألقي القبض على قوة أمنية تشكلت في غزة بإيعاز من ماجد فرج، في محاولةٍ لبسط سيطرته على القطاع والترتيب لـ”اليوم التالي”، وذلك بعد أن رشّحه مسؤولون إسرائيليون لذلك. فبحسب “موقع i24” الإسرائيلي، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت قد رشح ماجد فرج ليكون قطاع غزة تحت سلطته في اليوم التالي لحماس في غزة، واتفق معه في هذا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد الذي قال في مقابلة مع “كان” الإسرائيلية: “من الطبيعي ذكر اسم فرج، فهو في السلطة الفلسطينية أحد أكثر الشخصيات التي عملت معنا ضد حماس”.

وفي تفاصيل الحادثة، قالت وزارة الداخلية في غزة إن خطة فرج للسيطرة كان يراد لها أن تسير عبر ثلاث مراحل: الأولى؛ المساعدات الإنسانية، والثانية؛ العلاقة مع العشائر، والأخيرة؛ متعلقة بالأمن الشامل في القطاع. كما أشارت إلى أن الخطوة الأولى كانت تجنيد عشر مجموعات بواقع أربعة أشخاص في كل مجموعة، يدخلون مع عشر شاحنات للمساعدات عبر معبر رفح.

وحسبما قالت القناة 14 الإسرائيلية، فإن فرج قد اختار لهذه المهمة عائلات معارضة لحماس ليعتمد عليها في تشكيل فرقه الأمنية، وقد جاء ذلك على ضوء لقاء جمعه مع رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي تساحي هنغبي بموافقة نتنياهو.

وبناء على مصادر خاصة للجزيرة نت، فإنه قد اتُّفق على أن تتخذ القوة الأمنية من مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر مقرًّا لها. وأفادت المصادر، أنه قد جرى بالفعل تكليف فرج بهذه المهمة، وطرحت مئات الأسماء لأشخاص يمكن التعاون معهم لتثبيت عمل هذه القوة في غزة، على اعتبار أنها ستتولى زمام الأمور بعد انتهاء الحرب. هذا فضلًا عن القوة التي شُكلِّت بهدف جمع معلومات عن مستشفى الشفاء قبل أسبوعين من اقتحام الجيش الإسرائيلي له، غير أن اكتشافها حال دون إتمامها مهامها، كما سيحول لاحقًا دون أن تحقق إسرائيل آمالها بأن يكون فرج صاحب السلطة في غزة في “اليوم التالي” للحرب.

فَرَج “المقاتل”

لم يؤدّ ماجد فرج دورًا جوهريًّا في التنسيق والعمل الأمني فحسب، بل أيضًا في تغريب الفعل المقاوم عن المجتمع الفلسطيني ومحاولة تفكيك الحاضنة من حوله، من خلال الهراوة والخطاب كذلك. فمثلًا خلال حملة “حماية وطن” التي شنتها الأجهزة الأمنية ضد المقاومة في مخيم جنين أواخر عام 2024، التقى فرج بوجوه عشائرية من مختلف أنحاء الضفة الغربية، وخاطبهم قائلًا: “نحن جميعًا عجزنا عن حماية غزة من أجل أجندة غير فلسطينية، لا يوجد فلسطيني يبيد شعبه من أجل أن يكون قائدًا، القائد يموت من أجل شعبه مثل ما يفعل أبناء الأجهزة الأمنية على الأقل في الأيام الأخيرة”، وأضاف: “نحن لسنا ضد جنين، لسنا ضد المخيم، هذا المخيم أيقونة، ولكن ليس المخيم وهو مخطوف”.

حاول فرج أن يحمِّل حماس مسؤولية الإبادة في غزة، وأن يشرعن العملية الأمنية في شمال الضفة الغربية ضد المقاومين هناك، وأن يكسب إلى صفه “العشائر”؛ أحد أكثر المكونات الاجتماعية تأثيرًا في السياق الاجتماعي الفلسطيني، وأن يحصل بذلك على مزيد من الدعم والتسليم بصوابية ما يفعل، خصوصًا لدى استعراض الخطة الأمنية على أنها حماية للفلسطينيين.

يتحاشى فرج الظهور في مقابلات إعلامية، غير أنه في عام 2016 وافق على مقابلة موسعة مع “The Defense News” الأمريكية، وصف فيها نفسه خلال مسيرته في التنسيق الأمني مع إسرائيل بأنه “مقاتل”.

“لقد قاتلنا لعقود بطرق مختلفة؛ والآن نحن نقاتل من أجل السلام… لذا سأواصل القتال للحفاظ على هذا الجسر ضد التطرف والعنف الذي ينبغي أن يقودنا إلى استقلالنا”، يقول فرج في المقابلة الآنفة الذكر. يعلق الموقع على هذا التصريح تحديدًا، بأن ماجد فرج سيظل يقاتل على طريقته للحفاظ على الجسر “ما دام مقتنعًا بأنه ليس جسرًا إلى اللامكان”.

يقول فرج في المقابلة ذاتها: “نشعر أننا عاجزون عندما يغزو الإسرائيليون المناطق التي نعيش فيها… ماذا يمكنني أن أقول لضباطي وللناس الذين يفترض بنا حمايتهم؟”. لن يقول لهم شيئًا، بل سيستمرّ في توجيه هراواته ناحيتهم، وسيظل يؤمن بمشروع التفاوض مع إسرائيل لتحقيق رؤيته “الدولة الواحدة، السلاح الواحد”، ولذلك فإن ملاحقة الجهاز الذي يرأسه للمقاومين، تشكل قربانًا لاستمرار هذه العملية التي تبدو في هذه المرحلة بالتحديد من تاريخ القضية الفلسطينية فيلًا ميتًا!

وأنّى له الذكرى؟

عاد الرجل الستيني من شروده في الذكرى القديمة والمسيرة المستمرّة، التي قذفها في نفسه حنظلة من الجدار.. نظر إلى نفسه، وتذكّر أنه في منصبٍ لا يسمح فيه لأحد بأن يتكلّم معه إلا وجهًا لوجه، لكن حنظلة بقي مُديرًا ظهره…

جبريل الرجوب.. وقائع استبدال البزة العسكرية بشورت رياضي

رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، خلال دورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024. (وكالة الصحافة الفرنسية)
في ذروة المشاحنات السياسية بين حركتي فتح وحماس، يقول المطلعون عن قرب إن “أبو رامي” اعتاد أن يحمل معه أكياس الزعتر والميرمية وزجاجات زيت الزيتون خلال رحلاته لمقابلة الشيخ صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في جميع اللقاءات التي جمعتهما ضمن مساعي التوصل إلى اتفاق مصالحة لم يبصر النور حتى الآن.
جبريل الرجوب أو “أبو رامي” كما يُكنى، صاحب الملامح الحادة والصوت الأجش، المتجرد في لقاءاته العلنية والمغلقة من ضوابط المنصب والدبلوماسية، المتحدث باللهجة الفلسطينية العامية، بصراحة ودون أي مواربة أو مداهنة في أي من المواضيع، يراه الفتحاويون قائدًا مقربًا إلى صفوف القاعدة بخطابه الشعبوي، ويعرفه خصومه كشخصية لا تخشى المواجهة، وهو مَن فتح نيرانه على الجميع، من العواصم العربية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، وهو في ذات الوقت القادر على تصفير المشاكل، والحفاظ على حضوره ونفوذه في كل مكان، فالجنرال الذي يدير معركته من قلب المستطيل الأخضر اليوم، ليس رقمًا عابرًا في معادلة المشهد السياسي الفلسطيني.

طفولة صهرتها السجون

ولد جبريل محمود الرجوب في بلدة دورا الخليل يوم 14 مايو/أيار 1953، وفيها أمضى سنوات طفولته التي اصطدمت بواقع الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في الأشهر الأولى التي أعقبت نكسة يونيو/حزيران، حيث اعتقل عام 1968 وهو في سن 15، بشبهة مساعدة ضباط مصريين من بقايا الجيش المصري في فلسطين، وأمضى إثر هذه التهمة 4 أشهر في السجون الإسرائيلية.

كان السجن أولى محطات لقاء الطفل الرجوب مع حركة فتح، إذ تعرف هناك على القائد الفتحاوي “أبو علي شاهين” الذي ساهم في انضمامه إلى الحركة التي كانت تعمل سرًا في الضفة الغربية، وفور إطلاق سراحه صار جبريل الرجوب أحد كوادر فتح في الخليل، وعمل ميدانيًا في تقديم المساعدة اللوجستية للخلايا والمقاتلين.

بعد عامين على إطلاق سراحه، عاد الرجوب عودته الأطول إلى السجون، بعد اعتقاله في سبتمبر/أيلول 1970 خلال تنفيذه عملية استهداف حافلة للجيش الإسرائيلي بقنبلة يدوية، وأدين من قبل المحكمة الإسرائيلية بعدة تهم، حكم عليه إثرها بالسجن مدى الحياة، لتبدأ خلف أسوار السجون، الرحلةُ التي ستصقل شخصية الرجوب وتغيّر مسارها إلى الأبد.

في سجون الاحتلال التي تنقّل الرجوب بين معظمها، تعلم اللغة العبرية وأتقنها بطلاقة، وتوّجها بترجمة كتاب “ثورة” لمناحيم بيغين، وشارك في الإضرابات عن الطعام وموجات العصيان والاشتباكات مع مصلحة السجون، والتي كانت تندلع للمطالبة بتحسين أوضاع الأسرى وانتزاع حقوقهم الآدمية.

تحرر جبريل الرجوب من سجون الاحتلال إثر صفقة التبادل التي أجرتها الجبهة الشعبية-القيادة العامة في مايو/أيار 1985 رفقة أكثر من 1100 أسير فلسطيني وعربي مقابل إطلاق سراح 3 جنود أسرى في لبنان، لكنه سرعان ما عاد إلى السجن مجددًا بعد أقل من 6 شهور على إطلاق سراحه.

تعرض جبريل الرجوب للاعتقال ثلاث مرات متتالية في سجون الاحتلال بسبب نشاطه الدائم على الأرض، وخلال هذه الاعتقالات خاض إضرابات فردية عن الطعام وتنقل بين السجون وزنازين العزل الانفرادي، إلى أن قررت سلطات الاحتلال إبعاده

إلى لبنان في يناير/كانون الثاني 1988، بعد شهر واحد من اندلاع الانتفاضة الأولى.

كان الإبعاد خارج فلسطين، المحطة التي ستنقل الرجوب للصعود في المراتب القيادية لحركة فتح، إذ انتقل إلى تونس، وعمل تحت إمرة خليل الوزير “أبو جهاد” الرجل الثاني في الحركة، وبعد اغتياله، أصبح جبريل الرجوب، من المقربين لرئيس منظمة التحرير وقائد حركة فتح، ياسر عرفات، الذي عينه مساعدًا له لشؤون الأرض المحتلة عام 1988، ثم تولى منصب أمين سر لجنة الضفة في جهاز الأرض المحتلة حتى عام 1994.

بعد توقيع اتفاق أوسلو، وعودة قوات منظمة التحرير إلى غزة والضفة، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، عاد الرجوب ضمن قوافل العائدين، وتولى في الضفة قيادة جهاز الأمن الوقائي، الذي كان أحد المحطات المفصلية في سيرته وتاريخه

العشرية السوداء.. سنوات الصدام مع الجميع

بقيادة العقيدين جبريل الرجوب في الضفة الغربية، ومحمد دحلان في قطاع غزة، واللواء مصباح صقر -الذي اصطدم بعرفات ولم يستمر طويلًا في منصبه- تحوّل جهاز الأمن الوقائي إلى يد السلطة الضاربة ضد خصومها السياسيين في الداخل.

كان الأمن الوقائي رأس حربة الحملة الأمنية التي شنتها السلطة الفلسطينية ضد حركتي حماس والجهاد الإسلامي عام 1996، والتي جرى خلالها اعتقال المئات من قادة وكوادر الحركتين، ضمن التزام السلطة الفلسطينية بتطبيق اتفاق أوسلو، وكبح العمليات التفجيرية داخل العمق الإسرائيلي.

كان الأمن الوقائي بجناحيه الرجوب ودحلان، في عين عاصفة الصراع المباشر مع حركة حماس، التي اتهمت الجهاز بممارسة التعذيب والتصفية الجسدية ضد كوادرها، وتعدى ذلك إلى إصدار بيانات مباشرة تتهم الرجوب بتسليم “خلية صوريف” التابعة لكتائب القسام إلى الجانب الإسرائيلي عام 1997، واغتيال القيادي في الكتائب محيي الدين الشريف عام 1998 تحت التعذيب في سجون الأمن الوقائي، وهي الاتهامات التي ردت عليها السلطة الفلسطينية بروايات مضادة في حينه، ودأب الرجوب شخصيًا على نفيها.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وانفلات عقال المواجهة مع “إسرائيل” واستعادة حماس والجهاد الإسلامي لحضورهما العسكري، وإطلاق سراح المعتقلين في سجون السلطة، خاض الرجوب مواجهات شرسة مع الجميع، ابتداءً بالرئيس ياسر عرفات، وصولًا إلى حماس والجهاد الإسلامي مجددًا. وكان الرجل كما أظهرت تسجيلات صوتية منسوبة له، يرى أنه مستهدف من الجميع.

في أبريل/نيسان 2002، وفي ذروة الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية في عملية “السور الواقي”، اقتحم الجيش الإسرائيلي سجن بيتونيا التابع لجهاز الأمن الوقائي، واعتقل عددًا من كوادر كتائب القسام المحتجزين داخله، وهو ما اعتبرته حماس في حينه “تسليما مباشرا”، وفقًا لشهادة عدد من عناصرها، من بينهم سليم حجة الذي اعتقل من داخل السجن، بينما أبدى الرجوب حينها استعداده للمثول أمام لجنة تحقيق مستقلة، موزعًا الاتهامات على جميع أركان السلطة الفلسطينية وفي مقدمتهم الرئيس ياسر عرفات. وقد انتشر في حينه بين الفلسطينيين تسجيل صوتي لمكالمة يقال إنها بين الرجوب والقيادي في حركة حماس عبد العزيز الرنتيسي، دارت حول تفاصيل ما جرى في بيتونيا، وقد ظهر الرجوب حينها متمسكًا برفضه أي اتهام له “بتسليم المعتقلين”، مشددًا على موقفه الوطني الذي لا يقبل الطعن أو التشكيك فيه.

بحلول عام 2003، شهدت الضفة الغربية عددًا من الحوادث المفصلية التي تزامنت مع حصار الرئيس ياسر عرفات في مقر المقاطعة، منها اقتحام مئات الفلسطينيين لسجن الأمن الوقائي في الخليل وتحرير 17 معتقلًا من قيادات وكوادر حماس والجهاد الإسلامي، واقتحام محكمة جنين التي يحرسها الأمن الوقائي، وقتل 3 من المتهمين بالتعاون مع الاحتلال خلال جلسات محاكمتهم. كانت هذه الأحداث القطرة التي أفاضت كأس العلاقة المتدهورة بين عرفات والرجوب، وانتهت بمرسوم يعلن إقالته من منصبه في قيادة الجهاز في يوليو/تموز 2002، وتعيينه محافظًا لمدينة جنين.

لم يكن قرار إقالة الرجوب في حينه عابرًا، فالرجل الذي قاد الجهاز طوال سنوات، بعقلية الأخ الأكبر أو الأب إن شئت، كان قد صنع له ولاءً واسعًا في صفوف ضباط وقيادة الجهاز، الذين أعلن المئات منهم نيتهم الاستقالة احتجاجًا على إقالة الرجوب، ومنَع آخرون خلَفَه العميد زهير مناصرة من دخول المقر الرئيسي للجهاز، في حين اختار وفد من ضباط الأمن الوقائي التوجه إلى مقر المقاطعة لمقابلة الرئيس المحاصر ياسر عرفات، للإعراب عن رفضهم إقالة قائدهم الرجوب.

اختار الرجوب تجنب الصدام مع عرفات في حينه، وخرج في تصريحات صحفية بعد لقاء استمر ساعتين مع الرئيس أبو عمار، ليعلن أنه يقبل القرار الذي وصفه “بالمقدس ولا يقبل النقاش”، مؤكدًا أنه لن يسمح لأي ضابط في الوقائي بالتمرد على قرار عرفات.

بعد عام من إقالته، أصدر عرفات مرسومًا رئاسيًا بتعيين العقيد جبريل الرجوب في منصب مستشار الرئيس للأمن القومي، وترقيته إلى رتبة عميد في أغسطس/آب 2003، وقد جاء هذا القرار في أوج المواجهة على الصلاحيات بين عرفات ورئيس الوزراء الأول في تاريخ السلطة، محمود عباس.

عقب وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وفوز محمود عباس بالرئاسة مرشحًا عن حركة فتح، قدم الرجوب في يناير/كانون الثاني 2005 استقالته من منصبه، قائلًا في نص بيان الاستقالة التي قدمها لعباس إنها تأتي “لتكون لكم فرصة كاملة متاحة لتعيين مستشاريكم الذين تتوسمون فيهم القدرة والنفاذ”، مقدمًا مجموعة من التوصيات للرئيس الجديد حول ضبط الحالة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

شهدت الأشهر الأولى من عهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، موجة انفلات أمني واسعة في الضفة الغربية، نتيجة قراراته بحل كتائب شهداء الأقصى وإبعاد المطاردين من داخل مقر المقاطعة، وإجراء إعادة هيكلة كاملة لقيادات الأجهزة الأمنية. وخلال هذه الفترة وقعت مواجهات مسلحة عنيفة طالت مقر الرئاسة في المقاطعة، وتسببت في إقالة عدد من قادة الأجهزة الأمنية، بينهم قائد قوات الأمن الوطني في رام الله، يونس العاص، وقائد قوات الأمن الوطني الحاج إسماعيل جبر في غزة والضفة، الذي خاض ملاسنات حادة مع الرجوب في حينه.

في أكتوبر/تشرين الأول 2005 أصدر الرئيس عباس مراسيم رئاسية متتالية، بترقية العميد جبريل الرجوب إلى رتبة لواء، وتشكيل مجلس الأمن القومي الفلسطيني، الذي انضم إليه الرجوب بصفته “مقررًا”، إلى جانب قيادات الصف الأول سياسيًا وأمنيا في السلطة الفلسطينية ومن بينهم محمد دحلان، ووزير الداخلية نصر يوسف، وأحمد شنيورة، وناصر القدوة وسلام فياض والطيب عبد الرحيم وصائب عريقات وأحمد قريع.

استمر اللواء جبريل الرجوب في منصبه مستشارًا للأمن القومي حتى يناير/كانون الثاني 2006، حيث تقدم باستقالته من المنصب في حينه، للترشح ضمن قوائم حركة فتح للانتخابات التشريعية، وهي الانتخابات التي خسر فيها الرجوب فرصة دخول المجلس، وخسرتها حركته فتح بشكل قاسٍ أمام حركة حماس التي اكتسحت البرلمان الفلسطيني وشكلت الحكومة برئاسة إسماعيل هنية.

بعد الانتخابات التشريعية، قال الرجوب إنه يعكف على مواصلة دراسته الجامعية في كلية الدراسات العليا بجامعة القدس، وإنه رفض كل العروض التي قدمها له الرئيس عباس لتولي مناصب أمنية في السلطة الفلسطينية، رافضًا التعليق في حينه على تعيين غريمه محمد دحلان خلفًا له في منصب مستشار الأمن القومي، لكنه لم ينقطع في اللقاءات الإعلامية عن تصريحاته شديدة اللهجة ضد خصومه في قيادة الأجهزة الأمنية وحركة فتح.

الكابتن الجنرال.. رحلة العودة من ألف باب

بعد عام ونصف من الاقتتال الداخلي، والتحريض والإعدامات والاتفاقيات ولجان التواصل، انفجر برميل البارود بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالكامل منتصف يونيو/حزيران 2007، وطُردت السلطة الفلسطينية وقوات أمنها، وبدأ ما سيعرف بعدها “بالانقسام الفلسطيني”.

كان للرجوب في حينه مواقفه المنفلتة عن حالة الإجماع الفتحاوي، إذ لم يتردد خلال مقابلة مع تلفزيون فلسطين الرسمي، في مهاجمة قادة الأجهزة الأمنية في غزة، والإشارة بشكل مبطن إلى غريمه محمد دحلان، محملًا مسؤولية ما جرى لتصرفاتهم ضد الفلسطينيين عمومًا في القطاع. وخلف المواقف الإعلامية، تداول الفلسطينيون بشكل واسع في حينه، مكالمة مسلجة يُزعم أنها للرجوب مع أحد ضباط الأمن الوقائي في رفح، الذي اتصل به مستنجدًا، فكال خلالها الرجوب شتائم ثقيلة لكل من محمد دحلان ورشيد أبو شباك وغيرهما، متهمًا إياهم بالهرب من غزة إلى فندق “غراند بارك” في رام الله، والتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.

محمد دحلان يمين الصورة ومحمود عباس وإسماعيل هنية (رويترز)

شهران فقط عقب الحدث المفصلي في التاريخ الفلسطيني المعاصر، وحالة الشحن الإعلامي والسياسي، والإجراءات الانتقامية المتبادلة في غزة والضفة الغربية، كان جبريل الرجوب القيادي الوحيد في فتح الذي يفتح قنوات اتصال مع قيادات في حماس سعيًا لإنهاء الانقسام، مستمرًا في الدعوة إلى الحوار مع الحركة، دون أن تلقى دعواته أي آذان صاغية في قيادة السلطة وفتح، التي كانت حينها تتعامل مع حماس “كتنظيم محظور” في الضفة الغربية، قبل أن تبدأ رحى المصالحات المكوكية بالدوران دون جدوى في عواصم العالم بعدها بسنوات قليلة.

في مايو/أيار 2008، فجر اللواء جبريل الرجوب أولى مفاجآت عودته إلى المشهد السياسي مجددًا، ولكن من بوابة الرياضة هذه المرة، بعدما أعلن ترشحه لمنصب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في دورته الأولى 2008-2012، وانتزع الرئاسة بالتزكية بعد انسحاب منافسه الوحيد.

الرجوب في حينها قال إن ترشحه للمنصب جاء بطلب مباشر من الرئيس محمود عباس، ومفوضية التعبئة والتنظيم في حركة فتح، مؤكدًا أن احتلاله لهذا المنصب “مهمة وطنية” وأن “الحراك في الشارع الفلسطيني لمطالبته بالترشح له يعكس أهمية هذا الموقع وهذه المهمة”.

منذ ذلك التاريخ، يسيطر الرجوب على مقاليد الاتحاد لأكثر من ثلاث ولايات متعاقبة، إلى جانب إحكام قبضته على رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، وجمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية.

انهمك الرجوب في إدارة شؤون المنتخب الفلسطيني لكرة القدم، وهو القادم من مقرات الأمن الوقائي وإرث العمل الأمني، بينما بدأت حركة فتح في الضفة الغربية وبعد خسارة غزة؛ محاولات لملمة صفوفها واستعادة حضورها، أو إن شئت فقل، إحكام قبضة الرئيس محمود عباس على كافة المفاصل السياسية والتنظيمية، فجرى عقد المؤتمر العام السادس عام 2009، والذي انتخب فيه جبريل الرجوب لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، ونائبًا لأمين سر اللجنة حتى عام 2017.

كان جبريل الرجوب يومها واحدًا من ضمن 14 وجهًا جديدًا ينتخبون لعضوية اللجنة المركزية، أبرزهم محمود العالول، ومروان البرغوثي، ومحمد دحلان، ومحمد اشتية، وحسين الشيخ، وتوفيق الطيراوي، إلى جانب من احتفظ بمنصبه من الأعضاء القدم، ليشكلوا بالمجموع 19 عضوًا.

بالعودة إلى ملاعب الساحرة المستديرة، كان قدوم الرجوب من رئاسة جهاز أمني ليكون ثاني رئيس في تاريخ الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، نقطة فارقة في مسيرة الاتحاد والمنتخب، فالرجل الذي ظن الكثيرون أنه سيعامل لاعبي كرة القدم كجنود وضباط الوقائي، استطاع تحقيق اختراقات تاريخية، وحصد إنجازات واضحة للكرة الفلسطينية، التي شهدت ولا تزال في عهده انتظام البطولات والمسابقات، وتدشين دوري المحترفين الفلسطيني، ودوري السيدات، وتطوير البنية التحتية والمرافق ومقرات النوادي المختلفة.

حقق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إنجازات غير مسبوقة في عهد الرجوب، من بينها اعتماد “الملعب البيتي” لمنتخب فلسطين ومنحه حق استضافة البطولات والمنتخبات، والتتويج ببطولة كأس التحدي عام 2014 التي منحته بطاقة التأهل إلى نهائيات كأس آسيا 2015، وجائزة أفضل اتحاد وطني ناشئ من “الفيفا” عام 2009، ومنح الرجوب جائزة الهرم الذهبي لأفضل شخصية رياضية عام 2011، وجوائز دولية وإقليمية أخرى.

كما تجاوز الرجوب رياضيًا عقبات الانقسام الفلسطيني، بإعادة تفعيل دوريات كرة القدم في قطاع غزة، وضم أنديته مجددًا إلى الدوري الفلسطيني، وعقد المباريات النهائية بين أندية القطاع والضفة، عبر تنسيق مباشر مع عبد السلام هنية، الشخصية الرياضية الأبرز في غزة ونجل قائد حركة حماس إسماعيل هنية، الذي صدر قرار رئاسي بتعيينه مساعدًا للرجوب في المجلس الأعلى للشباب والرياضة، كما مُنح عضوية اللجنة الأولمبية الفلسطينية التي يرأسها الرجوب أيضًا.

هذه السيرة الحافلة للرجوب، لم تصنع طريقًا ورديًا، فالرجل الذي يتبنى العفوية المطلقة، دون أي اعتبارات بروتوكولية أو مجاملات سياسية، أثار العواصف داخليًا وخارجيًا مرارًا وتكرارًا خلال قيادته للاتحاد، عبر الاصطدام مع الأردن في إحدى المحطات بعد اتهامه بالتصويت لجوزيف بلاتر ضد الأمير علي في انتخابات رئاسة الفيفا، وهو ما نفاه الرجوب علنًا وأجبر الرئيس محمود عباس على السفر إلى الأردن ولقاء الأمير علي في بيته لنزع فتيل الأزمة، عدا مشاحنات أخرى قوبلت بردود من نواب وشخصيات أردنية، خلال بطولات قارية.

كما كان الرجوب عام 2015 هدفًا لدعوات تطالب بإقالته من منصبه، انضمت إليها حركتا حماس والجبهة الشعبية ومنظمات فلسطينية مثل “حركة المقاطعة”، بعد إقدامه على سحب الطلب المقدم للفيفا بإسقاط عضوية “إسرائيل” من الاتحاد الدولي بسبب انتهاكاتها ضد الرياضة والرياضيين الفلسطينيين، وقد قال الناطق باسم حركة حماس في حينه، فوزي برهوم، إن الرجوب “خيّب آمال الفلسطينيين وآمال أصدقاء فلسطين وكل المحبين الداعمين لشعبنا وعدالة قضيته”، مطالبًا برحيله من رئاسة الاتحاد ومحاكمته على تصرفاته، في حين اكتفى الرجوب حينها بالقول إنه جاهز لأي مساءلة فلسطينية، متهمًا من أسماهم “أشخاصا لا يريدون التطور والنهوض للرياضة الفلسطينية” بقيادة “الحملات المشبوهة ضده”، ومؤكدًا أن الموضوع برمته “شأن رياضي لا علاقة للسياسة به”.

تحت ظل الرئيس.. جمر يشتعل بصمت

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عقدت حركة فتح مؤتمرها السابع، الذي احتفظ فيه 12 عضوًا من اللجنة المركزية بمقاعدهم في حين انضم ستة أعضاء جدد إلى اللجنة، وفي هذه الانتخابات حل جبريل الرجوب في المركز الثاني بعد الأسير مروان البرغوثي، متمسكًا بمقعده في اللجنة المركزية التي أعلنت مطلع فبراير/شباط 2017 تكليفه بمنصب أمين سرها.

كان محمد دحلان، العنوان الأهم في المؤتمر السابع، حيث تمسك الرئيس الفلسطيني، وزعيم حركة فتح، محمود عباس، برفض توصيات الرباعية العربية “الإمارات، السعودية، مصر، الأردن” بالتصالح مع دحلان، وطي صفحة الخلاف الذي وصل ذروته بطرد الأخير وعشرات من مؤيديه من حركة فتح، وإسقاط عضوياتهم وإحالة ملفاتهم إلى القضاء، وقد ذكرت بعض المصادر في حينه، أن الرجوب كان أحد المتشددين في رفض عودة دحلان، وهو من أقنع الرئيس الفلسطيني برفض الضغوط العربية.

بعد قرابة أسبوعين من تكليف الرجوب بمنصب أمين سر اللجنة المركزية، منعته مصر من دخول أراضيها بعد وصوله مطار القاهرة لحضور اجتماع دعت إليه الجامعة العربية، وهو الحدث الذي تزامن مع عقد محمد دحلان مؤتمرين موسعين لكوادر وأنصار تياره “تيار الإصلاح الديمقراطي” على الأراضي المصرية في تلك الفترة. وقد عزت مصادر عدة منع الرجوب إلى غضب مصري متصاعد من رفض قيادة حركة فتح دعوات القاهرة إلى المصالحة مع دحلان، والاتهامات المباشرة للرجوب في هذا الصدد.

كان دحلان خلال ذلك العام، في عين عاصفة تصريحات الرجوب للإعلام المحلي، حيث رد الرجوب على سؤال حول إمكانية عودة دحلان إلى الحركة بأنه فصل بسبب “قضايا لها علاقة بالقتل أو المشاركة بالقتل والاستقواء بالإقليم”، مضيفًا في ذات التصريح أن “مدخل دحلان للرجوع إلى الحركة ليس من خلال الدول العربية، وليس من خلال أموال الخليج”، في إشارة إلى دولة الإمارات التي يقيم فيها دحلان ويعمل مستشارًا لرئيسها.

الرجوب هاجم في تصريحات أخرى “الرباعية العربية”، متهمًا إياها بالسعي للتدخل في المعادلات الداخلية الفلسطينية، معتبرًا أن هذا التدخل “مرفوض بالنسبة لمؤسسات حركة فتح”، مُصعدًا في تصريحاته لمهاجمة ضباط الأمن المكلفين من الرباعية للقاء قيادة فتح حيث اعتبرهم “ضباط مخابرات لا يفهمون شيئًا”.

الرجوب في حينه هاجم القرار المصري، وعاد بعد قرابة عام كامل ليجدد هجومه على الدور المصري في ملف المصالحة الفلسطينية، متهمًا القيادة المصرية بتجاهل حركة فتح والرئيس محمود عباس، والسعي لفرض اتفاق للمصالحة بين حركتي فتح وحماس وفقًا للمتطلبات المصرية ودون استشارة فتح.

من مصر إلى الفيفا، امتدت صراعات الرجوب مع الجميع، في ذلك العام، بعدما قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم فرض عقوبة الإيقاف عن العمل الرياضي بحق الرجوب لمدة 12 شهرًا، وغرامة بنحو 20 ألف دولار، بتهمة “التحريض على الكراهية والعنف”، بعدما أطلق دعوات إلى حرق صور وقمصان نجم المنتخب الأرجنتيني، ليونيل ميسي، ردًا على نية المنتخب لعب مباراة ودية مع المنتخب الإسرائيلي جرى إلغاؤها قبل موعد انعقادها.

وفي يوليو/تموز 2020، وخلال مؤتمر صحفي مشترك عبر “اجتماع عبر الفيديو” من رام الله والضاحية الجنوبية، بثه التلفزيون الرسمي الفلسطيني وكبرى القنوات الإخبارية، ظهر اللواء جبريل الرجوب، مع صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، للإعلان عن اتفاق فتح وحماس على “استراتيجية موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة” للتصدي لمخططات ضم الضفة الغربية.

لقاء الرجوب-العاروري توسع لاحقًا إلى زيارات شخصية أجراها الرجوب لمقر إقامة العاروري في تركيا، وجمعت الرجلين علاقة مودة شخصية، كما يروي عدد من الشهود على اللقاءات أن الرجوب اعتاد إحضار “الزعتر وزيت الزيتون والميرمية” من الضفة الغربية كهدايا للعاروري في كل اللقاءات التي جمعتهما ضمن مساعي التوصل إلى اتفاق مصالحة بين حركتي فتح وحماس.

هذه اللقاءات المكوكية بين الرجلين آتت ثمارها الأولى بالتوصل إلى اتفاق عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، وإصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 15 يناير/كانون الثاني 2021 مرسومًا رئاسيًا بعقدها على التوالي ابتداءً بالانتخابات البرلمانية في 22 مايو/أيار، ثم الرئاسية في 31 يوليو/تموز، وانتهاءً بانتخابات المجلس الوطني في 31 أغسطس/آب من ذات العام.

وفي نهاية مارس/آذار 2021، أصدر الرئيس محمود عباس، قرارًا بترقية اللواء جبريل الرجوب إلى رتبة فريق في قوى الأمن الفلسطينية، وإحالته إلى التقاعد. وكانت رتبة الفريق التي منحت للرجوب هي الثانية التي تُمنح لضابط فلسطيني منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، وكان القرار في حينه تمهيدًا لترشح الرجو

Source: Apps Support