إسرائيل تربح الكاميرا وتخسر البندقية
عند دخول محور الممانعة، متمثلًا في حزب الله وإيران بمختلف أذرعها الإستراتيجية، في المقاومة على خط إمدادات وتسنيد المقاومة الفلسطينية متمثلة في حماس، انقسم الرأي العربي الإسلامي، داخليًا وخارجيًا، بين معسكرات وطوائف وأحزاب، بين معارض لهذا التحالف ومناصر له، وعاد الخطاب الطائفي من جديد ليزدهر في صفوف الإسلام السياسي بين المحور الشيعي، والمحور السني.
هذا الخطاب التنازعي نفسه بدأ يزدهر بين صفوف العلمانيين والدينيين، وبين اليمين واليسار، وبين رؤية الأنظمة من جهة، والشارع العربي والإسلامي من جهة ثانية، حيث أصبح من الصعب، بل من المستحيل بناء سردية موحدة ترافعية عن الحق في المقاومة والحق في التحرر.
وهذا الانقسام جعل المنطقةَ العربية الإسلامية غير قادرة على مقاومة السردية الغربية ذات الصلة، مثلما أصبحت عاجزةً عن تعبئة الجماهير والأنظمة في عدد من الدول من قبيل جنوب أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، وبعض البلدان الغربية التي انحازت بعد طوفان الأقصى للحق الفلسطيني من قبيل إسبانيا، وأيرلندا، والنرويج… إلخ.
المقاومة بين السردية الغربية وسردية محور الممانعة
بالرغم من انتصار المقاومة في غزة انتصارًا كبيرًا بالنظر إلى اختلال موازين القوى بين قدراتها العسكرية وبين جيش الاحتلال المدعوم غربيًا والمسنود أميركيًا بالسلاح والعتاد والمعلومة والحصار الاقتصادي، فإن هذا الانتصار لم يكتمل بالنظر إلى غياب سند عربي وإسلامي، باستثناء ما قام به محور المقاومة ممثلًا في إسناد حزب الله في لبنان، وأنصار الله الحوثي في اليمن.
ولقد كان لهزيمة حزب الله في لبنان، سياسيًا وعسكريًا – بعد اغتيال معظم قادة الصف الأول للحزب، وتحول سوريا إلى منطقة عازلة ومحايدة في الصراع مع جيش الاحتلال، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما تركه من ملفات التعذيب والقهر وسجون الاعتقال السياسي، بعدما انبرت حقائق هذا النظام الذي حكم بالنار والحديد شعبًا من أعرق الشعوب – أثرٌ كبيرٌ على المنطقة.
فقد تعالت أصوات الصهيونية الوظيفية تحاول النيل من شعارات المقاومة والصراع العربي- الإسرائيلي، بالنظر إلى ما حصل في المنطقة من تحوُّلات كبرى بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية، وما رافق ذلك من تحوُّل إستراتيجي في النظام العالمي الذي انتقل إلى طور القوة الغاشمة.
وهو ما اتّضح بجلاء في التعامل الأميركي مع إسرائيل في المنطقة، حيث برزت السياسة الأميركية كسياسة احتكارية تريد استخلاص غزة والضفة لصالح مشاريع اقتصادية أميركية – صهيونية، هي بشكل مباشر ترجمة للسياسة الأميركية في توظيفها القوة العسكرية والغلبة من أجل استغلال مناطق التوتر في العالم، وهو ما اتّضح بقوة في الملف الأوكراني، وقبل ذلك في الملف العراقي، والسوري، واللبناني، والفلسطيني، وفي عموم الشرق الأوسط.
ضمن هذا السياق، رأينا كيف تعالى صوت دونالد ترامب من داخل البيت الأبيض داعيًا إلى تهجير سكان غزة إلى سيناء، والأردن، ودول عربية أخرى.
وبالرغم من رفض معظم دول المنطقة الطرح الأميركي- الإسرائيلي، فإن الشعب الفلسطيني بقي يعاني الأمرّين بين مطرقة أميركا – إسرائيل وسندان الخضوع العربي والإسلامي، في مقابل شبه صمت شعبي في الدول العربية والإسلامية، باستثناء بعض الدول العربية دون غيرها، بالنظر إلى تحكم الأنظمة بهذه الدول في الفضاء العمومي، أحزابًا ومؤسسات مجتمع مدني.
بيد أن هذا التحكم السلطوي لا يشرح معضلة القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي.. فالقول بسلطوية الأنظمة واستبدادها لا يكفي منهجيًا لدراسة وتحليل الخلل الوظيفي الذي أصاب الذاكرة الجماعية العربية، التي أصبحت مشلولة إلى حد كبير في الفعل.
يقودنا التحليل السوسيو- أنثربولوجي للخطاب العربي إلى استخلاص وجود شرخ كبير في الذاكرة الجماعية للشعوب، وهذا الشرخ نتج عن تغير في التمثلات حول القضية الفلسطينية، حيث برزت أصوات هنا وهناك تنادي بالالتزام بمفهوم الوطن والدولة القُطرية بدل القومية العربية والإسلامية، مقابل أصوات باتت ترى في القضية الفلسطينية عبئًا على الأنظمة التي صارت بحكم تضخم مستويات التبعية الاقتصادية والسياسية بمثابة امتداد للسياسة الأميركية.
وبما أن للقوة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية القولَ الفصل في الصراع، فإن هذه الأنظمة وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، من خلال التلويح الأميركي بوقف المساعدات، وتعسير الحصول على القروض والسلاح للمثال لا الحصر.
وضمن هذا السياق، تعالت أصوات حزبية وسياسية تنادي بالتخلص من حماس، أو على الأقل تحييدها في مرحلة إعادة إعمار غزة، بالنظر إلى كونها تجلّيًا للإسلام السياسي.
وبين هذا وذاك، تعالت أصوات الصهيونية الوظيفية، التي تمثلت في كتّاب وإعلاميين ومثقفين عرب يرون واهمين في التطبيع مع إسرائيل حلًا لمشكلات التنمية والتقدم في المنطقة العربية، كون إسرائيل، ممثلة الغرب في المنطقة، قوةً عسكرية وعلمية وتكنولوجية، وخطبُ ودها هو خطب ود القوة العظمى في العالم، أي أميركا وعموم أوروبا. ناسين أن الدول التي طبّعت منذ عقود لم يجلب لها ذلك شيئًا مما يتوهمه هؤلاء، اللهم تضخم التبعية وفشل مسلسل التنمية بشكل غير مسبوق.
إن تحليل خطاب كل هذه الأطراف يحتم علينا الرجوع إلى الهزيمة التي منيت بها الأنظمة العربية منذ نكبة 1948 مرورًا بنكسة 1967، وبمسلسل السلام الذي تحول إلى استسلام في كامب ديفيد ومدريد وأوسلو… إلخ، وهي الهزائم التي تمكنت من الذاكرة الجماعية وأصابت المتخيل العربي في مقتل، إذ تحول الصراع العربي الإسرائيلي تدريجيًا إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي.
وترافق ذلك مع تضخم مستويات التخلف والفشل التنموي في المنطقة العربية؛ حيث أصبح البنك الدولي، من خلال سياساته للتقويم الهيكلي، المدبر الفعلي لهذه الدول على المستويين؛ الاقتصادي والسياسي.
وبالتدريج فقدت دول المنطقة سيادتها وصارت تحت رحمة الغرب ببنوكه ومؤسساته الاقتصادية، وهو ما جعلها ترضخ لتغيير جوهري في خطابها السياسي، حيث منذ التسعينيات بدأت ملامح التغيير في وجهة نظر الأنظمة والنخب من القضية الفلسطينية تظهر بجلاء.
وهكذا غيرت الأحزاب السياسية من حدة خطابها الرافض للكيان الإسرائيلي وتحول الإعلام من الإدانة والرفض والنقد إلى تلطيف خطابه تجاه إسرائيل، وهو ما امتدّ إلى تغيير طال المناهج الدراسية والجامعية. فتهيأت بفعل ذلك، الظروف لاستقبال وتلقي دعوات التطبيع السياسي، بعد أن بدأ بالتطبيع الاقتصادي مباشرة بعد كامب ديفيد، ليصبح الأمر تحصيل حاصل بعد اتفاقية أوسلو.
المقاومة الفلسطينية بين المحلية العربية والكونية الإنسانية
ضمن هذا السياق وما ترتب عنه في الإعلام الدولي والخطاب السياسي العالمي، نشأت أجيال التسعينيات وبداية الألفية الثالثة في مناخ الاستلاب الثقافي والفكري الذي جعل الغرب ممثلًا في أميركا وأوروبا القدوة والمثال، حيث ستنشأ نخب جديدة مغرقة في الافتتان بالحداثة الغربية وموهومة بالتحديث الذي تأسس، أيديولوجيًا، على الانفصال مع التراث والهوية القومية، خاصة بعد أن أفل نجم اليسار والتقدمية في المنطقة العربية، وفي عموم العالم بعد انهيار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفياتي، الذي تحول بفضل البرويسترويكا -” سياسة إعادة الهيكلة”- إلى دول ذيلية تدور حول مدار الرأسمالية الاحتكارية الغربية.
ولذلك، لم تستطع هذه الأجيال التي نشأت على الدعاية الأميركية والغربية عمومًا أن تفهم جوهر الصراع العربي- الإسرائيلي، وكيف تحول إلى صراع فلسطيني- إسرائيلي، وهو الذي تأسس على احتلال واستيطان أرض شعب بعد تشريده وطرده من أرضه في سياق استعماري رأسمالي احتكاري.
وضمن هذا المناخ الذي انتعشت فيه السردية الغربية المناصرة لإسرائيل والداعمة لسياستها الاستيطانية والإحلالية، تراجع تأثير المشهد الثقافي والفني في أجيال الشباب العربي، إذ سيحصل بالتدريج تحول كبير في الدراما والمسلسلات والسينما، التي انتقلت من تقديم إسرائيل كعدو ومحتل لفلسطين، إلى جار وأبناء عمومة ودعاة سلام وحاملي قيم الحداثة والتقدم.
وبعد أن كانت إسرائيل موضوعًا للجاسوسية والخيانة في عدد كبير من المسلسلات العربية، أصبحت الدراما العربية مغرقة في مواضيع استهلاكية فجة، ومنتصرة للخلاص الفردي والترقي الاجتماعي على حساب القيم والمبادئ، في ظل تضخم مستويات نظام التفاهة في العالم الاستهلاكي. وهو ما يشكل اختراقًا إسرائيليًا للفنون والدراما والتلفزيون والسينما في المنطقة.
إن الأجيال الحالية، وخاصة أجيال التسعينيات وما بعدها، لا تفهم كيف أن محور الممانعة هو في العمق محور نشأ على أعقاب الصراع بين القطبين: الاتحاد السوفياتي والغرب الرأسمالي بزعامة أميركا، وأن الدين أقحم في هذا الصراع لتمييعه وتحويره عن مقاصده السياسية والاقتصادية والأخلاقية.
فالثورة الإيرانية نشأت في مناخ رافض للهيمنة الغربية الرأسمالية في احتكاريتها مدخرات الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، وإن كانت اتخذت من الدين آلية من آليات الأدلجة النسقية لنظام الحكم، وإن أخطأت إيران من خلال ولاية الفقيه في امتدادها الأيديولوجي في المنطقة من خلال إستراتيجية التشييع، وجعلت من طوائف الشيعة في مختلف المناطق العربية أذرعًا للهيمنة والسيطرة، مما جعلها منبوذة من قبل الأنظمة التي رأت في ذلك تهديدًا.
إن التحوير الذي مارسته آليات الإعلام والفكر في الغرب لجوهر الصراع جعله يبتكر مفاهيم تحليلية سرعان ما هيمنت على الخطاب العلمي والفكري والثقافي في العلوم السياسية والاجتماعية من قبيل: الإسلام السياسي، أسلمة المجتمع، الإسلام الحركي، الطائفية والقبائلية، وبالتدريج بات الخطاب العربي والإسلامي في العلوم الاجتماعية يعيد إنتاج نفس النسق الفكري الغربي منهجيًا ونظريًا، وهو ما جعل الصراع السياسي في المنطقة ينتقل من الصراع حول الاقتصاد والاحتكار والاستغلال والهيمنة والتبعية إلى صراع أيديولوجي بين اليسار واليمين، وبين الإسلام السياسي والأنظمة والنخب التقدمية، وكلما توغلت النخب التي تتبنى أيديولوجية دينية مغرقة في الماضوية، واشتدت مستويات تبعية النخب التقدمية للغرب، اشتدَّ الصراع وصار حروبًا طاحنة بين هذه الأطراف.
وهكذا، تم تغييب جوهر الصراع بين الشمال والجنوب، وبين الدول النامية والدول الغربية، وبين البلدان العربية ومستعمريها السابقين/ الجدد ليتحول إلى صراع حول السلطة والحكم، الذي بقي يدور في فلك الغرب ويسترشد بأوامره مهما كانت الحكومات والأنظمة.
ولهذا، فبالرغم من أن المنطقة العربية عرفت حكومات من مختلف التوجهات: إسلامية، يسارية، يمينية، ليبرالية…إلخ، فلم تستطع أن تبني استقلالًا سياسيًا واقتصاديًا وقاعدة علمية بالمرة.
وضمن هذا السياق، ساهمت الصراعات والحروب العربية- العربية في تأزيم الذاكرة الجماعية وفقدت النخب ثقتها في الخلاص الجماعي والقومي، وباتت القومية العربية مجرد ذكرى لزمن الهزيمة. وعليه، فقد تمكن الغرب، بعد تغريب الصراع العربي- الإسرائيلي وتفكيك نخب المقاومة الثقافية والفكرية، من بناء سردية غربية رأسمالية احتكارية في العمق، تتخفى بأقنعة الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وصار سبب التخلف في المنطقة هو الإسلام ومقاومة الحداثة والتحديث.
وبالمقابل، صارت المقاومة الفلسطينية سببًا في الحروب والفوضى في منطقة الشرق الأوسط، وهو الخطاب الذي تبناه وصاغه المحافظون الجدد في أميركا، في تبريرهم غزو العراق واحتلاله، وفي إجهاض ثورات الربيع العربي وتحويره، وهو الخطاب نفسه الذي بات يبرر حرب الإبادة العرقية في فلسطين، وقد تمكن هذا الخطاب من أن يخترق الخطاب العربي الرسمي ومن يدور حوله من نخب براغماتية ترى أن الوصل بالتراث والدين هو سبب التخلف في المنطقة.
وعلى هذا الأساس، فشلت المجتمعات العربية في بناء سردية عربية إسلامية للصراع العربي- الإسرائيلي من خلال تفكيك الخطاب الغربي ونقد أسسه الأيديولوجية والاقتصادية ممثلة في الرأسمالية الاحتكارية.
وهو ما يشرح تواضع الدراسات ما بعد الكولونيالية والدراسات الثقافية مقارنة بما حققته أميركا اللاتينية وأفريقيا والصين وروسيا، من قبيل العصيان المعرفي، ونقد الحداثة، والواقعية البنائية، وما إلى ذلك من توجهات نقدية للمركزية الغربية وللحداثة في أفولها وتهافتها الأخلاقي.
تأسيسًا على ما سبق، تصبح الدعوة إلى بناء سردية عربية إسلامية كونية حول القضية الفلسطينية إحدى واجهات المقاومة الثقافية التي يجب أن تمتد إلى مجالات الأدب والفنون والسينما والدراما، من خلال عودة النخب المثقفة إلى واجهة الأحداث، وهي مسؤولية عظمى تتجاوز الانتماء الضيق للدولة القُطرية لتعانق الانتماء الرحب للإنسانية الكونية.
وهنا تصبح الجامعة واحدة من أهم الفضاءات المعرفية التي يجب أن تعمل على ازدهار الدراسات الثقافية والديكولونيالية، وعلى تشجيع البحث العلمي في مجالات السيادة الثقافية والفكرية والعلمية، كما يجب على الإعلام المسنود بالمجتمع المدني أن يلعب دوره في التأطير ونشر الفكر الجاد والمعرفة التنويرية للشعوب العربية التي باتت تعيش تحت تهديد القصف الإعلامي والفكري الغربي، الذي يعمل دون هوادة على نشر سرديته الاستعمارية والاحتكارية وثقافته الاستهلاكية المغرقة في نظام التفاهة.
Source: Apps Support
من يدير الأقصى الآن؟ المسلمون أم الكهنة اليهود؟
لا يكاد يمرّ يومٌ لا يخرج علينا فيه تيار الصهيونية الدينية المتطرف بقضية جديدة في الملفات الساخنة التي يتصدى زعماء هذا التيار لها، كمسألة ضمّ الضفة الغربية والتحريض على استئناف الحرب على قطاع غزة. لكن أحد أهم وأخطر الملفات التي بات هذا التيار يتحكم فيها من خلال ما بات يعرف باسم “جماعات المعبد المتطرفة”، هو ملف المسجد الأقصى المبارك الذي أصبحنا نرى كل يومٍ تقريبًا مشروعًا جديدًا يستهدفه، ويحاول تغيير الوضع القائم فيه، بتسارعٍ لم يكن معهودًا سابقًا.
فقبل عدة أيامٍ فقط تناقلت وسائل الإعلام بعض التطورات التي لفتت الانتباه، حين أرسل عددٌ من الوزراء وأعضاء الكنيست الحاليين والسابقين عن أحزاب الليكود بزعامة نتنياهو، والصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش والعظمة اليهودية بزعامة بن غفير، رسالةً إلى أعضاء الكونغرس الأميركي بغرفتيه: النواب والشيوخ، يطالبون فيها بإصدار الكونغرس الأميركي تشريعًا يعترف بالحقوق الدينية الأبدية للشعب اليهودي في “جبل المعبد” (المسجد الأقصى المبارك).
جاء هذا الخبر في ظل اقتحامات عيد البوريم الاستفزازية التي شهدها المسجد الأقصى في نهار شهر رمضان المبارك بشكلٍ كان يسعى بالفعل إلى إهانة المسلمين في المسجد، وإظهار السيطرة الإسرائيلية عليه، خاصةً مع إصدار قوات الاحتلال لأول مرةٍ قرارًا بمنع الاعتكافات في ليالي الجمعة في شهر رمضان المبارك، على عكس ما كان معمولًا به في الأعوام الماضية.
أتت هذه التحركات المتسارعة، ليعقبها مباشرةً تسريب مشروعٍ جديد تسعى جماعات المعبد المتطرفة لتطبيقه في المسجد الأقصى خلال فترة عيد الفِصح العبري الذي يحلّ بعد انتهاء شهر رمضان المبارك، والذي يعد أحد أهم مواسم الاقتحامات والاعتداءات السنوية على المسجد بمحاولة تقديم القرابين الحيوانية في المسجد. هذا المشروع الذي بدأت دوائر تيار الصهيونية الدينية تدرس كيفية تطبيقه، يأتي تحت اسم مشروع “المعمدوت”.
كلمة “معمدوت” تعود في أصلها إلى عبارةٍ وردت في التلمود تقول: (لولا وجود المعمدوت لما قامت السماوات والأرض)، والمقصود بالمعمدوت هو مجموعة من أحبار بني إسرائيل من سبطَي يهوذا ولاوي، كانت لها مهمة كبيرة وخطيرة منوطة بها في عصر المعبدَين: الأول والثاني حسب الرؤية اليهودية، وهي الحرص على إقامة كافة الطقوس الدينية التعبدية في المعبد بشكل مستمر وغير منقطع.
وتقول الأسطورة الدينية إن هذه المهمة كانت تعتبر مقدسةً حتى في غياب المعبد الثاني بعد هدمه على يد الرومان، وذلك لأن التوازن في العالم كله -حسب هذه الأسطورة- يعتمد على خدمة المعبد باعتباره بيت الرب، سواء كان هذا البيت موجودًا أم مهدومًا، وتعود فلسفة هذا العمل إلى فكرة الصلاة والتفاني من قبل الشعب الذي اختاره الرب للحفاظ على توازن الحياة في الأرض كلها. إذن فهذه الجماعات ترى في هذه الوظيفة مهمةً عالميةً لا بدَّ منها للحفاظ على الكرة الأرضية من الزوال!
نحن باختصارٍ أمام مجموعةٍ من المهووسين دينيًا بفكرة كونهم محور الحياة في هذا الكون، وهم يرون أنهم لا يمثلون أنفسهم ومصالحهم فقط في ذلك، وإنما يقدمون هديةً للعالَم كله ويحافظون عليه عبر الحفاظ على رسالة الرب بإقامة شعائر عبادته كاملةً في بيته، الذي ترى هذه الجماعات أنه المسجد الأقصى!
وفي هذا الصدد، أطلق أحد الأكاديميين المتدينين المتطرفين في إسرائيل، وهو البروفيسور هليل فايس من معهد السنهدرين (أي معهد كبار الحاخامات)، هذا المشروع الذي تبنته على الفور ما تسمى “إدارة جبل المعبد” التابعة لتيار الصهيونية الدينية.
ويقوم هذا المشروع على أساس توفير مجموعةٍ دينية محترفةٍ تسمى “الحرس”، يتم اختيارها من مختلف أنحاء البلاد بعد تقسيمها إلى 24 إقليمًا، كما كان الأمر عليه في عصر المعبد الأول، حسب ما ورد في نص التوراة في سفر “أخبار الأيام”، ويتم ترشيح شخصيات محددة من كل إقليم لكي يكونوا مندوبين عنه، على أن يكون كل شخص من هؤلاء الكهنة واحدًا من الذين يدّعون انتماءهم لسبط “يهوذا” وسبط “لاوي”، بحيث يتم تدريب هذه المجموعة تدريبًا مكثفًا، ثم تفريغها لتتولى مهمة القيام بكافة الطقوس الدينية المعروفة في المعبد على الشكل الأمثل وباللباس الديني المعتمد لكهنة المعبد، كما هو مذكور في النصوص الدينية اليهودية.
يتناوبون على شكل مجموعات عمل تنشط في أوقات محددة وحسب جداول محددة، بحيث يلتزم كل “حارس” من هؤلاء الكهنة بخدمة “المعبد” في أرض المسجد الأقصى مرتين سنويًا لمدة أسبوع، وبالتالي يشارك الكهنة (من سبط يهوذا) واللاويون (من سبط لاوي) فعليًا في جبل المعبد، كما كانت الأمور عليه في الزمن القديم.
ومن ثم يتم تدريب كهنةٍ آخرين على هذه المهمة، بحيث يتم “استئناف” الحياة الدينية الكهنوتية اليهودية داخل المسجد الأقصى، كما كانت عليه في عصر المعبد في المخيال اليهودي بالكامل.
القائم على هذا المشروع، البروفيسور هليل فايس، يعلق على مشروعه هذا في مقدمته قائلًا: “هذا هو المشروع الذي يمكن أن يغير وجه جبل المعبد، فلك أن تتخيل الكهنة واللاويين يصعدون في ثيابهم، واللاويين يغنون كل يوم، والكفارة (أي القرابين) تتم كل يوم بفرح، حتى لو كانت خارج جبل المعبد مبدئيًا”.
ما يقصده فايس بتغيير وجه “جبل المعبد” فعليًا هو تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، ليصبح الوجود الديني اليهودي فيه مربوطًا باللباس والأدوات الدينية التي تصورها الأساطير الدينية التي تؤمن بها هذه الجماعات، لا مجرد وجود شخصي لمستوطنين يقتحمون المسجد بأي زيٍّ وبأي هيئةٍ كانت.
وهو الأمر الذي حذرنا منه مرارًا باعتباره مرحلةً لا بد من أن يحاول الاحتلال تطبيقها، أي محاولة إدخال أدواتٍ محددةٍ إلى المسجد الأقصى المبارك لأداء الطقوس الدينية فيه بالشكل الذي ترى هذه الجماعات أنه كان معمولًا به حسب أساطيرها الدينية.
الجديد هذه المرة هو ربط هذه العملية بتعيين مجموعة من “السدنة” ورجال الدين بشكل رسمي، بما يشبه تمامًا سدنةً وحراس وأئمة المسجد الأقصى المبارك المعينين رسميًا في دائرة الأوقاف الإسلامية، فيتحول الوجود اليهودي في المسجد إلى وجود رسمي بمسمياتٍ ووظائف وملابس خاصة وأدواتٍ محددة تستعملها هذه المجموعات، ولا تعود مسألة الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى مجرد عملٍ شعبي غير مؤطر، بل يتحول إلى عملٍ مؤسسيٍّ له أوقات “دوام” و”مناوبات” تشبه تمامًا الإدارة الإسلامية الرسمية للمسجد الأقصى وموظفيه، ويتحول هؤلاء المتطرفون إلى “موظفين” في وظائف دينية رسمية في المسجد الأقصى.
خطورة هذا المشروع تنبع من كونه الخطوة التي كان المستوطنون ينتظرون تطبيقها بتحويل وجودهم في الأقصى إلى وجودٍ دائمٍ طبيعي غير طارئ، وليس مجرد وجودٍ يتعلق بساعاتٍ محددةٍ لدخول المسجد أو حتى الدخول والخروج من مسارات محددة.
حيث سيكون على المسلمين في هذه الحالة التسليم بأن للمسجد الأقصى إدارتَين: واحدة إسلامية، والثانية يهودية، مع كل ما يعنيه ذلك من تغول الإدارة التي ترعاها دولة الاحتلال بالطبع على المسجد الأقصى وعلى حقوق المسلمين في الأقصى.
وهذا بالضبط ما حدث سابقًا في المسجد الإبراهيمي في الخليل عندما تم تقسيمه زمنيًا ثم مكانيًا، بحيث ظهرت فيه إدارة يهودية رسمية موازية لإدارة الأوقاف الإسلامية، لينتهي الأمر في رمضان من هذا العام لأن ترفض سلطات الاحتلال ببساطةٍ تسليم المسجد للمسلمين في أيام الجمعة في شهر رمضان المبارك، بمعنى الانقلاب حتى على ما كان معمولًا به حسب جداول التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الإبراهيمي للأسف، وكان هذا هو ثمن الصمت على هذه العملية.
مسألة تقاسم السيادة على المسجد الأقصى لم تعد مجرد حلمٍ بعيد المنال لدى هذه الجماعات، بل إنها اليوم باتت تسعى بكل جهدها لتحويل هذه القضية إلى واقعٍ محسوسٍ على الأرض، وهي تتسلح في مسعاها هذا بالصمت المطبق والتسليم التام الذي نراه للأسف أمام خطوات الاحتلال التي تتقدم بثباتٍ داخل المسجد الأقصى المبارك، وخاصةً في شهر رمضان المبارك الذي جعل الاحتلال فيه وجوده داخل المسجد طبيعيًا لدرجةِ أننا رأينا اعتقالاتٍ تتم داخل المسجد الأقصى للمصورين والصحفيين في وجود عشرات الآلاف من المسلمين، ومن بين أظهرهم دون أي ردة فعل تذكر.
وهذا الأمر هو الذي يشجع الاحتلال -بكل صراحةٍ- على التقدم خطواتٍ إضافية دون أدنى اعتبارٍ للغضب الشعبي الذي بات الاحتلال يظن أنه نجح في ترويضه بعد صدمة الترويع التي نفذها عبر مجازره الإجرامية في قطاع غزة.
والواجب على الشعب الفلسطيني أن ينفض عنه غبار هذا الصمت والخوف من الآلة العسكرية للاحتلال، وأن يعلم أن الاحتلال لا يستطيع أن يفرض على الشعب إرادته إلا لو صمت الشعب على ذلك، فهو صراع إراداتٍ، المنتصرُ فيه مَن يركز على ثوابته ولا يتنازل عنها مهما كانت الضغوط.
Source: Apps Support
جنسية وراتب.. هذه المزايا التي تقدمها أوكرانيا للمتطوعين الأجانب
بالتزامن مع حراك سياسي مكثف تقوده الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، يبدو أن دولا أوروبية تسارع الخُطا نحو مشاركة عسكرية، تضمن استمرار أي هدنة أو اتفاق.
وأوكرانيا، التي لطالما أكدت قدرتها على الصمود والقتال بالدعم المالي والعسكري لا بالقوات، ترحب اليوم بهذه “المبادرة” التي تأتي كطوق نجاة، مع دخول الحرب عامها الرابع.
ويقول وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، إن بلاده تتحرك بنشاط نحو “تنفيذ نظام جديد للضمانات الأمنية، وتناقش فعلا عدد القوات وجغرافيا انتشارها وأدوارها وحجم صلاحياتها”.
وشهدت العاصمة الفرنسية باريس مؤخرا عدة اجتماعات حول هذا الشأن، آخرها كان في 17 مارس/آذار الجاري بمشاركة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وفيه أُعلن عن تشكيل ما يسمى “حلف الدول الراغبة”.
ويرفض الناتو أن تكون هذه المبادرة رسمية باسمه، وتحت القيادة الأميركية التي لن تشارك، حتى وإن كانت معظم الدول “الراغبة” التي أبدت استعدادها، أوروبية وجزءا من الحلف الأطلسي.
عشرات الآلاف
ووفقا لما قاله مسؤولون أوكرانيون وغربيون، فإن دول هذا الحلف تنوي إرسال ما لا يقل عن 30 ألف جندي، وتضع فعلا خططا عملية لهذا الغرض، الأمر الذي يدل على أن نشر القوات الأوروبية أمر جدّي بات وشيكا.
لكن زيلينسكي طمع في زيادة هذا الرقم إلى 200 ألف جندي قبل أسابيع، ثم تراجع ليقول إن “هناك حاجة إلى 100 ألف لضمان السلام في أوكرانيا”.
ورغم حديث مسؤولين عسكريين في بولندا عن وضع خطط “أ” و “ب” لعمل تلك القوات، يرى مراقبون أنه من السابق لأوانه الحديث عن أدوار كبيرة ستقوم بها.
ويرى الخبير العسكري في “المعهد الأوكراني للمستقبل”، والمستشار السابق لشؤون الأمن العسكري في البرلمان الأوكراني إيفان ستوباك في حديث للجزيرة نت أن فكرة إرسال هذه القوات ما زالت مادة خامًا وتحتاج إلى أطر محددة لتنفيذها.
وقال ستوباك “إن هذه القوات ستكون بقيادة أممية لا أوروبية، خاصة وإن روسيا ترفض وجودها رفضا قاطعا وترى فيها تصعيدا، كما أن دورها لن يكون إجبار الأوكرانيين أو الروس على شيء، وإنما ضمان ومراقبة وقف إطلاق النار، لأن تعدادها لا يسمح بغير ذلك أصلا”.
وأضاف أنه ليس واضحا بعد أين ستنتشر تلك القوات، وهل ستكون قريبة من خطوط الاشتباك أم بعيدة عنها؟ وما إذا كانت ستتركز في المدن أم قرب المواقع والمنشآت الحساسة.
ومع ذلك، يعتقد ستوباك أن “حضور القوات الغربية قد يكون مقدمة لموجة تسليح وإمداد كبيرين، فتمويلها سيكون بالمليارات، لا نستطيع وصفها بقوات حفظ سلام وفق المفهوم التقليدي، لأن موسكو تعارضها، ولأنها لا تضم قوات تمثل الدول الداعمة لروسيا”.
استقطاب المتطوعين
فكرة نشر قوات أجنبية تأتي في وقت لا يتزامن فقط مع مفاوضات وقف إطلاق النار، بل مع أزمة تعبئة تواجه أوكرانيا الطامحة إلى بناء جيش يقارب قوامه مليون جندي أيضا.
ويبدو أنها وجدت حلا بعيدا عن المبادرات الرسمية والعلاقات الدولية، يقضي بتوسيع مشاركة “المتطوعين الأجانب” في قوام الجيش، الأمر الذي بدأ عمليا في أحداث الشرق الانفصالي عام 2014، وتوسع ليشمل نحو 5-7 آلاف أجنبي مع بداية الحرب الراهنة، معظمهم أوروبيون”.
حينها، أصدر الرئيس الأوكراني قانونا سهل دخول المتطوعين الأجانب الأراضي الأوكرانية، والقتال دفاعا عنها، وكان معظمهم من دول أوروبية، كبريطانيا وبولندا ودول البلطيق، وكذلك من جورجيا وأذربيجان.
بَيد أن مجلس الوزراء أقر مشروع قانون يقضي بإنشاء وكالة تابعة لوزارة الدفاع، تعمل على استقدام و”توظيف” الأجانب وعديمي الجنسية من دول بعيدة نسبيا، وقد دخل القانون حيز التنفيذ فعلا في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي.
وبحسب موقع مركز توظيف الأجانب الذي يمثل تلك الوكالة، فإن قرابة 5 آلاف متطوع جاؤوا من دول أميركا اللاتينية وغيرها خلال السنوات الماضية، وانخرطوا في مهام الجيش، ضمن 9 ألوية وأفواج وفيالق دولية، أو ضمن ألوية أوكرانية تضم مقاتلين أجانب.
مرتزقة أم مؤيدون؟
ظاهر هذا الاستقطاب يرسم صورة عملية ارتزاق تستغل حاجة المتطوعين في دول فقيرة نسبيا، لكن القائمين على الأمر يرسمون صورة مغايرة.
في حديث خاص مع الجزيرة نت، قال ممثل وزارة الدفاع الأوكرانية، أوليكسي بيجيفيتس إن جميع المتقدمين يخضعون لمقابلة عبر الإنترنت ويتلقون معلومات حول الخطوات التالية، موضحا أن هناك متطلبات تتعلق بالحالة البدنية لكل مرشح، ويجب ألا يكون لديه سجل جنائي، فيما لا يشترط وجود خبرة عسكرية سابقة، فكل متطوع يخضع للتدريب والإعداد اللازمين في أوكرانيا.
وشدد بيجيفيتس على أن الحرب كشفت تعاطفا عالميا كبيرا مع أوكرانيا، نافيا أن يكون المتطوعون من الفقراء فقط، وقال “لا ندفع أحدا نحو الموت، لسنا بحاجة إلى مقاتلين أجانب على الجبهات الساخنة حصرا، الكثير منهم يأتون دون خبرة قتالية ويتدربون محليا، ثم يوزعون على مهام قتالية أو خدمية ولوجستية بحسب الحاجة والإمكانية”.
وحول مزايا التي يخولها التطوع في الجيش الأوكراني، قال بيجيفيتس إن راتب الجندي المتطوع يصل إلى 3 آلاف دولار أو أكثر، وهذا يتساوى مع راتب أي جندي أوكراني آخر، تماما كما تتساوى الحقوق والواجبات أثناء الخدمة وبعدها، والتعويضات عن الإصابة والوفاة، التي تصل إلى 15 مليون هريفنيا (نحو 360 ألف دولار)، مع حق المتطوع الأجنبي في الحصول على الجنسية الأوكرانية.
وماذا عن السلام؟
وعند سؤال بيجيفيتس عن إمكانية تعارض هذه التعبئة مع جهود وقف إطلاق النار وإحلال السلام القائمة، قال “من حقنا بناء جيش كبير قوي يدافع عن البلاد أثناء الحرب، ويحميها من أي عدوان آخر في المستقبل”.
وتابع، “نعلم أن روسيا استقطبت مرتزقة من عدة دول آسيوية واستخدمتهم كوقود لحربها الظالمة بمبالغ طائلة، ومشاركة أولئك هي التي تخرق القانون الدولي، أما أوكرانيا فتدافع عن نفسها بشهادة العالم، ومن حقها فتح الباب أمام الراغبين بمساعدتها، ومكافأتهم على ذلك”.
Source: Apps Support